السبت، 27 أكتوبر 2012

التعصب "مظاهره – أسبابه – نتائجه -



التعصب "مظاهره – أسبابه – نتائجه -
البعد الشرعي"

د/ عادل الدمخي

بسم الله الرحمن الرحيم


تعريف التعصب
لغة: يأتي بمعنى الشدة يقال لحم عصب: صلب شيد، وأتعصب أشتد، والعصب: الطي الشديد، وعصب رأسه وعصبه تعصيباً: شده واسم ما شد به العصابة.
ومن أمثال العرب: فلان لا تعصب سلماته، يضرب مثلاً للرجل الشديد العزيز الذي لا يقهر ولا يستذل.
ومنه قوله عز وجل "هذا يوم عصيب" أي شديد.
ويأتي بمعنى: التجمع الإحاطة والنصرة ومنه قوله عصبة الرجل: بنوده وقرابته لأبيه والعرب تسمى قرابات الرجل أطرافه ولما أحاطت به هذه القرابات وعصبت بنسبه سموا عصبة وكل شيء استدار بشيء فقد عصب به والعمائم يقال لها العصائب، ويقال عصب القوم بفلان أي استكفوا حوله والعصبة والعصابة جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين.
والتعصب من العصبية والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.
والعصبي هو الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم. [1]
اصطلاحاً:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي فالتعصب هو التشدد وأخذ الأمر بشدة وعنف وعدم قبول المخالف ورفضه والأنفة من أن يتبع غيره ولو كان على صواب.
وكذلك التعصب هو نصرة قومه أو جماعته أو من يؤمن بمبادئه سواء كانوا محقين أم مبطلين، وسواء كانوا ظالمين أو مظلومين.
وبضدها تتبين الأشياء:
فالتعصب ضد التسامح ،والانغلاق ضد الانفتاح والتحجر ضد التفكر ، ورفض الآخر وعدم قبوله ضد التواصل معه والتعايش والتوافق والعصبية والحمية ضد التجرد للحق والانتصار له فمعاني التعصب ممقوته مذمومة وضدها هذه المعاني الجميلة المحمودة.

من مظاهر التعصب:
1.   التعصب الحزبي:
وهو التعصب للفئة أو الحزب أو الجماعة التي ينتسب إليها الفرد والانتصار لها بالحق والباطل، وإضفاء صفة العصمة والقداسة عليها، وذكر مزاياها ومحاسنها ومهاجمة غيرها بذكر عيوبها وسيئاتها ويعظم حزبه ويحتقر غيره.
2.   التعصب القومي:
وهو الانتصار للقومية التي ينتسب إليها لمجرد القومية، كما تعصب الأتراك لقوميتهم في آخر الخلافة العثمانية وكما تعصب العرب لقوميتهم مقابل هذا التعصب وحروب القوميات لا تخطئ على الناظر وقد تقع في البلد الواحد.
3.   التعصب المذهبي أو الطائفي:
هذا التعصب الذي فرّق المسلمين وجعل لهم أربعة منابر في الحرم المكي حول بيت الله ومنع الشافعي يصلي خلف الحنبلي والحنبلي خلف المالكي وهلمّ جرا وأغلق باب الاجتهاد في وجه الأمة، والتعصب الطائفي الذي أشعل نار الفتنة والقتال بين طوائف الأمة كتعصب الخوارج ضد الصحابة وقتالهم.
4.   التمييز العنصري:
بسبب الجنس كتمييز الذكور ضد الإناث أو اللون كتمييز الأبيض ضد الأسود أو الأرض والوطن كالتمييز الحاصل ضد المهاجرين واللاجئين ، أو القبيلة كالتمييز ضد أبناء القبائل الأخرى واحتقارهم.
5.   التعصب الفكري:
وهو رفض فكر الآخر وعدم قبوله والاستماع إليه وترك التجرد والإنصاف في الحكم عليه والتشدد في التعامل معه ونقده بألذع الصور وتكوين صورة وإطار معين لفكر المخالف مشوبة بكثير من الأخطاء والمغالطات لأنها قائمة على أسس وأهية من التعصب والتحجر.

من أسباب التعصب:
1.   تضخم الذات: كما قال فرعون:
ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " [2] وهذه الذات المتضخمة قد تكون ذات الشخص أو ذات الجماعة أو ذات الدولة.
2.   الجهل والتخلف المعرفي:
فالجهل بالآخر وعدم توسيع المدارك بمعرفته والإطلاع على ما يؤمن به، يدعوه إلى التعصب ضده ورفضه وحسبنا أن نقول: إن الهجوم على الإسلام اليوم ومحاربته من كثير من الشعوب الغربية هو بسبب الجهل بمبادئه وعدم معرفته على الحقيقة هذا مع التشويه وإلقاء الشبهات المتعمد وغير المتعمد من وسائل الإعلام وغيرها.
3.   تقديس البشر والغلو فيهم:
كما قال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" وهذا التقديس والغلو يصل إلى حد إضفاء صفة العصمة والقداسة مما يؤدي إلى التعصب لهذا الشيخ أو لهذه الجماعة.
4.   الانغلاق وضيق الأفق:
نجد كثيراً من الطوائف والجماعات منغلقة على ذاتها لا تسمع إلا لنفسها وتمنع أتباعها من الاستماع لغيرها وكثير من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في الأوكار السرية وسراديب الظلام في أجواء مغلقة تعلِّم الإرهاب ورفض الآخر والعنف الموجه وتكفير المخالف.
5.   التنشئة الاجتماعية:
فالنشأة في أسرة تميز ضد اللون أو الجنس أو القبيلة والجماعة أو الفكر وتغذي روح التعصب والتطرف ضد الآخر تنتج لنا أناسا متعصبين ومتحجرين ومتطرفين والأسرة نواة المجتمع، وتأثير تنشئتها لابد وأن يظهر في المجتمع ، وقد يغلب فيكون التعصب هو الصبغة العامة له.
6.   الفهم الديني الخاطئ:
لا شك أن الانحراف في فهم الدين من أسباب التعصب الرئيسية فالتعصب الصليبي ضد المسلمين كان ناتجا من فهم خاطئ لمبادئ الدين النصراني، والتعصب المذهبي الذي أدّى إلى رفض الآخر في الإسلام كان ناتجاً من فهم خاطئ لاتباع العلماء.
7.   غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف:
مثل العدل والإنصاف والتجرد والتعايش معه رغم الاختلاف والثناء عليه بما أصاب والدفاع عنه إذا ظُلم وتطاول عليه الآخرون بغير حق وغيرها من الأخلاقيات التي سنذكرها في البعد الشرعي.

نتائج التعصب:
كل ما ذكرناه فيما سبق من مظاهر التعصب الممقوت هو من نتائجه فالتعصب سبب رئيسي لتفرقة الأمة وتشتتها وعدم اجتماعها والتعصب هو فتيل الفتنة والاقتتال بين فئات الشعب الواحد والأمة الواحدة ،والتعصب هو سبب رفض الآخر ورفض التعايش والتوافق معه.
البعد الشرعي:
جاء الإسلام ليحارب كل أشكال التعصب والانغلاق.
·      فكل بني آدم مكرم: "ولقد كرمنا بنى آدم [3]" وقال عز وجل " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .. الآية [4]" فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى كما قال رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)[5].
·      ويأمرنا الله بالعدل والإنصاف "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون[6]"، "إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل[7]".
·      وكل تعاون على الإثم والعدوان محرم "وتعاون على البر والتقوى ولا تعاونا على الإثم والعدوان[8]".
·      وجعل الإسلام المناصرة بين المؤمنين على الحق ودفع الظلم: قال تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[9]" وقال صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فقال رجل يا رسول الله انصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ فقال تحجره أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره[10]" وقال صلى الله عليه وسلم "من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه [11]".
·      وأساس التفاضل في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح "إن أكرمكم عند الله أتقاكم [12]" وقال صلى الله عليه وسلم "لينتهين أقوام يفتخرون بأبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبيه[13] الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم خلق من تراب[14]".
·      ومنع الإسلام الظلم والبغي وكان مع المخالف: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة[15]" وقال تعالى: "ولا يجرمنكم شنأن قوم على إلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [16]" ودعا إلى قبول الحق ، كما قال صلى الله عليه وسلم: الكبر بطر الحق وغمض الناس[17]" والحق لا يعرف بالرجال، أعرف الحق تعرف أهله كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال معاذ رضي الله عنه: "أقبلوا الحق من كل من جاء به وأن كان كافراً أو قال فاجراً ، قالوا كيف نعلم إنه يقول الحق ؟ قال: "على الحق نور".
·      وحارب الإسلام تقديس البشير وإعطائهم منزلة فوق منزلتهم "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا [18]" وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين [19]" ومن غلو من كان قبلنا أنهم " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله [20]".
·      والإسلام دين الرحمة والتسامح مع المخالف : قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[21]" وقال تعالى "لا إكراه في الدين[22] " يقول المؤرخ الغربي (أر نولد): "إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح[23]" ويقول (جوستاف لبون) "وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم، ولو علموا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وأسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه لهم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل، وما عرفت الشعوب فاتحا بلغ هذا القدر من المسامحة، ولا ديناً حوى في مطاوية هذه الرقة واللطف[24]".

وفي الختام إيضاحات لابد منها:
1-     لابد من الاختلاف فيما بيننا لأننا بشر نخطئ ونصيب ولسنا ملائكة فلا نستطيع أن نزيل الخلاف أو نلغيه ولكن نستطيع تقليل دائرته والتعايش السوي السليم معه، ولابد لنا من التأدب بآداب الإسلام في التعامل مع المخالف.
2-     ليس من التعصب الاعتزاز بالشخصية الإسلامية وبيان عظمة هذا الدين وأنه دين جاء ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأنه الدين الخاتم الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء، وهذه الشخصية المسلمة ترفض التبعية والانهزامية أمام أعدائها مما يدعوهم إلى رميها بالتعصب كما هو الحال اليوم.
3-     وكذلك ليس من التعصب حوار المخالف، والرد عليه علمياًً وكشف خطئه وبيان نوع الزلل الواقع فيه إن كان كفراً أو بدعة أو معصية مع الحفاظ على أدب النقد العلمي الرصين، وأدب التعامل مع المخالف، وعدم إطلاق الأحكام المتعصبة جزافاً لمجرد المخالفة.


وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.


د. عادل الدمخي
ربيع الآخر 1426 هـ
18/5/2005م


[1]  لسان العرب ( 1/602 – 607 ) بتصرف
[2] سورة فاطر 29.
[3] سورة الإسراء 70.
[4] سورة الحجرات 13.
[5] رواه أحمد ( 50/411 ) وغيره.
[6] سورة النحل 90.
[7] سورة النساء 58.
[8] سورة المائدة.
[9]  التوبة 71
[10]  رواه مسلم
[11] أخرجه البخاري ومسلم.
[12] سورة الحجرات 13.
[13]  أي فخرها وتكبرها ونخوتها.
[14]  أخرجه الترمذي وأبو داود.
[15]  رواه البخاري.
[16] سورة المائدة.
[17] تقدم تخرجه
[18]  سورة آل عمران 144.
[19]  رواه النسائي
[20]  سورة التوبة 31.
[21] سورة الأنبياء 107.
[22] سورة البقرة 256.
[23]  مجلة البيان عدد 153 نقلا عن الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي.
[24]  المصدر السابق.

التعصب

التعصب يجعلنا لا نرى الواقع ويجعل أعيننا لا ترى إلا ما نريد

التعصب الأعمى يصم الإذن ويفسد فيها حلاوة تذوق الحقيقة

التعصب ظاهرة قديمة حديثة يرتبط بها العديد من المفاهيم وما زالت هذه الظاهرة تتجدد باستمرارٍِ في عصرنا الحالي وتشكل آفة تدمر الشعوب والأمم.
للتعصب أشكال مختلفة قد يرتبط بعضها ببعض:
التعصب الديني
التعصب العرقي
التعصب الفكري

التعصب للنوع الأجتماعي
التعصب القومي
التعصب القبلي
التعصب الطائفي
التعصب الرياضى
التعصب في المنتدياااااااااااااااااات والفيس بوو
ووووووك والتلفاز.



التعصب الأعمى يفسد البحث العلمي ويجعلنا نصل لنتائج غير دقيقة

الخميس، 25 أكتوبر 2012

عيد الأضحى وتجديد الأمة




أ . حسان أحمد العمارى
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر،الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .. الله أكبر عدد ما ذكره 
الحاجون وبكوا! والله أكبر عدد ما طافوا بالبيت الحرام وسعوا! الله أكبر عدد ما زهرت 
النجوم، وتلاحمت الغيوم! الله أكبر عدد ما أمطرت السماء، وعدد ما غسق واقب أو لاح 
ضياء! الله أكبر عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته! الله أكبر عدد ما وقف الحجاج 
في عرفات، الله أكبر عدد ما رفعوا من الدعوات، الله أكبر عدد ما سكبوا من العَبرات، 
الله أكبر عدد ما رموا من الجمرات .. الله أكبر وله الحمد .. سهل لعباده طريق العبادة ويسر.

 ووفاهم أجوره من خزائن جوده التي لا تحصر، ومنّ عليهم بأعياد تعود عليهم بالخيرات وتتكرر، نحمده على نعمه التي لا تحصى ولا تحصر، ونشكره على فضله وحق له أن يشكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، انفرد بالخلق والتدبير وكل شيء عنده بأجل مقدر، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله، وصلى وزكى وحج واعتمر صلى الله وسلم عليه وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهر، وعلى أصحابه الذين سبقوا بالخيرات فنعم الصحب والمعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الفجر وأنور،أما بعـــــــد:

أيها المؤمنون /عبــــاد الله :-    ها هو عيد الأضحى المبارك يحل ضيفاً على أمة الإسلام في أصقاع الأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها في القرى والمدن في الصحراء وعلى ضفاف الأنهار وسواحل المحيطات والبحار .. اختص الله به أمة  الإسلام من دون سائر الأمم وجعله سبحانه وتعالى عيداً للمسلمين يظهر فيه المسلم توحيده لله وذكره وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى وهو يومٍ فرح وسرورٍ وتواصل وتعاونٌ وتكافلٌ بين أفراد هذه الأمة الواحدة في عقيدتها ومبادئها وأخلاقها..  فالعيد في حياة الأمة يعد مظهراً من مظاهر التجديد في حياتها .. تجديداً للإيمان والعقيدة في نفوس أبنائها فحجاج بيت الله  ما قصدوا البيت الحرام إلا توحيداً لله واستجابة لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام عندما أمره ربه بأن يؤذن في الناس قال تعالى :( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )[الحج:27].. وصيام يوم عرفة هذا اليوم العظيم ووقوف الحجاج فيه مظهر من مظاهر تجديد الإيمان والوفاء بالعهد والميثاق الذي أخذه الله على كل إنسان بأن يعبده ولا يشرك به شيئاً فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم  بِنَعْمان- يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذّر، ثم كلمهم قِبَلا، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) "الأعراف: 172، 173" "رواه أحمد وصححه الألباني)  والعيد يأتي بعد ذلك ليؤكد هذه الحقيقة ويشهد على هذا التجديد في نفس المسلم وسلوكه .. وكذلك المسلم الذي يقدم بين يدي الله أضحية العيد لا يريد بها غير وجه الله شعاره (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) .. فليحافظ كل مسلم على إيمانه و ليتعاهده بالأعمال الصالحة ومراقبة الله حتى يلقاه على فطرة الإسلام فتزكو نفسه وتطيب حياته ويسعد في آخرته.

عبـــــــاد الله :-  والعيد مظهر من مظاهر تجديد وتطهير النفس البشرية التي أفسدتها الذنوب والمعاصي فيأتي العيد وأيام العشر من ذي الحجة لتكون سبباً في تطهير وتجديد حياة المسلم فالحاج يعود كيوم ولدته أمه قال عليه الصلاة والسلام (مَن حَجّ فَلَم يَرفُث ولَم يَفسُق رَجَع كَيَومِ ولَدَتهُ أُمُّهُ)( البخاري / 1733 و 1734)  وصيام يوم عرفه يكفر سنتين فقد روى مسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( صيام عرفة يكفر سنتين ) وفي رواية عند ابن أبي شيبة في مصنفه : ( سنة ماضية وسنة مقبلة ) .. وصلاة العيد وذكر الله بالتكبير والتحميد والتهليل يوم العيد وأيام التشريق فيه تربية للمسلم على عبودية الله وتعظيمه بعد أن ركنت النفوس إلى الدينار والدرهم واللذات والشهوات حتى أنساها الشيطان ذكر الله وقد حذَّر الله من ذلك فقال { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ }[الحشر : 19] .. والله عز وجل يقول (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 203] وقال تعالى {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]

أيها المؤمنون /عبــــاد الله :-   والعيد مظهر  من مظاهر التجديد في سلوك المسلم في نظافته وملابسه الجميلة دون رياء أو كبر
أو إسراف وتبذير ليعلم أن هذا الدين دين النظافة والجمال وهكذا يعيش المسلم طوال حياته فالله جميل يحب الجمال ،نظيف يحب النظافة .. ويظهر التجديد في سلوك المسلم ومعاملة الآخرين من حوله ففي العيد يظهر بر الوالدين وصلة الأرحام وزيارة الأقارب والجيران والمرضى ويظهر التكافل والبذل والعطاء والصدقة والإنفاق والتسامح والتغافر بين المسلمين والتصافح والسلام قال صلى الله عليه وسلم  (إذا تصافح المسلمان لم تفرق أكفهما حتى يغفر لهما) (الألباني /صحيح الجامع [1/44] .. و قال صلى الله عليه وسلم  (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا) الألباني : ( حسن) صحيح الجامع [1 / 1072] .. وكل هذه الأعمال وغيرها في العيد تدفع المسلم إلى معالجة أخطائه والإحسان في معاملته للآخرين من حوله فيظهر المجتمع المسلم بثوبه الجديد .. مجتمع متعاون ومتآلف ومترابط يسود بين أبناءه الحب والود والتراحم.. اللهم وفقنا لما يرضيك، وجنِّبنا ما يسخطك، اللهم اقبل عملنا، واشكر سعينا، واغفر ذنبنا، وتجاوز عن جهلنا، فنحن عبيدُك وأنت ربنا .. قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

الخطــبة الثانية :    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاالله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة ، وأصيلاً،
الله أكبر ما أشرقت وجوه الصائمين بشرا .. الله أكبر ما تعالت الأصوات تكبيراً وذكراً ... الله أكبر ما توالت الأعياد عمراً ودهراً ..

فلك المحامد ربَّنا سراً وجهراً .. ولك المحامد ربَّنا دوماً وكرَّا .. لك المحامد ربَّنا شعراً ونثرا ..

أيها المؤمنون /عبـاد الله :في العيد يشعر المسلم بإخوانه المسلمين في بقاع الأرض ويدرك أهمية هذه الأخوة والرابطة الإيمانية بين المسلمين في قوتهم وسعادتهم وهو بذلك يسعى للقيام بواجباته نحوهم وأداء حقوقهم التي شرعها الإسلام وأمر بها وما ذاك إلا لأهميتها.. حيث جعل سبحانه وتعالى الأخوة وسيلة لاكتساب حلاوة الإيمان التي فقدتها القلوب فقال صلى الله عليه وسلم: [ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ] ( البخاري ومسلم) .. و هي طريق المؤمنين وسبيلهم إلى الجنة قال صلى الله عليه وسلم [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ] (رواه مسلم )  .. فكيف لحلاوة الإيمان أن تمتلىء بها قلوبنا وقد ظهرت الخصومات والأحقاد والحسد وفساد ذات البين بين المسلمين حتى تجرا المسلم على أخيه المسلم فسفك دمه  وأكل ماله واستطال في عرضه دون وجه حق .. وتفرق المسلمين إلى جماعات ودول ومذاهب ورايات وعصبيات جعلوها بديلاً عن رابطة الإيمان فحل الشقاء وظهرت الصراعات وفسدت الأحوال واستبدلوا شرع الله وحكمه بقول فلان وعلان ووجد من يضن أن له فضل ومكانة عن غيره من المسلمين بسبب وجاهته او ماله أو سلطانه أو نسبه أو عشيرته ..

 لكن المسلم الحق ينظر في هذا العيد وهذه الأيام ليجد الحقيقة فيرى حجاج بيت الله وقد تخلى كل واحد منهم عن زيه الوطني ولبسه المعتاد ليلبس الجميع ملابس واحدة ذات لون واحد في صعيد واحد يلهجون بذكر واحد فيتذكر أن المسلم أخو المسلم وأنه لافضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى وأن المصير المحتوم بعد هذه الدنيا هو لقاء الله والحساب والعقاب والجنة والنار .. فلتكن الإخوة الإيمانية رابطة كل مسلم مع إخوانه وليسعى كل مسلم لجعلها سلوكاً عملياً في الحياة يرضي بها ربه ويقوي بها صفه ويحفظ بها أمته ومجتمعه ووطنه.. قال تعالى ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(الأنبياء:92) وقال تعالى {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] ..

عبــــــــاد الله : ألا فليقم كل من ضحى إلى أضحيته فله عند الله أجر عظيم وأطعموا منها البائس والفقير والمحروم وتفقدوا أحوال الضعفاء والأيتام والمساكين وأدخلوا عليهم البهجة والفرح والسرور ومن لم يضحي لضيق العيش والحاجة فلا يبتئس ولا يحزن فقد ضحى عنه وغيره من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان .. واذكروا الله  كما هداكم، واشكروه على ما أعطاكم؛ وجددوا إيمانكم وحسنوا أخلاقكم و احفظوا دماءكم واجتنبوا الفتن تفوزوا برضا ربكم .. فهنيئاً لكم بالعيد يا أهل العيد ، وأدام الله عليكم أيام الفرح ، وسقاكم سلسبيل الحب والإخاء . ولا أراكم في يوم عيدكم مكروهاً ...  ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، اللهم اجمع شمل المسلمين ، ولم شعثهم ، وألف بين قلوبهم واحقن دمائهم .. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن واجعل بلدنا هذا آمناً وسائر بلاد المسلمين .. اللهم تقبل من حجاج بيتك أعمالهم وردهم إلى بلادهم سالمين غانمين واغفر لنا ولهم أجمعين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

فضل العيد ومقاصده


فضل العيد ومقاصده






تقديم:
لقد فاضل الله عز وجل بين الأيام، كما فاضل بين الشهور وبين الساعات، فشهر رمضان ليس كشهر جمادى، ولما سئل النبي-صلى الله عليه وسلم- عن كثرة صيامه لشهر شعبان قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" ص. النسائي. ويوم الجمعة ليس كغيره من الأيام، لأن الله تعالى اختصه بعبادات وفضل لا تجدها في غيره من الأيام،  ويوما الاثنين والخميس ليسا كغيرهما، فقد قال فيهما النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن الأعمال ترفع يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يرفع عملي و أنا صائم" ص. الجامع. وكذلك يوم العيد ليس كسائر الأيام، فهو مخصوص بعبادات، ومخصوص بسنن وآداب، ورتب الله تعالى على ذلك أجرا عظيما، وجزاء عميما.

والعِيدُ: كُلُّ يَوْمٍ فيه جَمعٌ. واشتِقَاقُه من عادَ يَعود، كأَنَّهم عادُوا إِليه. وقيل: اشتِقاقُه من العادَةِ، لأَنَّهُم اعتادُوه. وقال ابنُ الأَعرابيِّ :"سُمِّيَ العِيدُ عِيداً لأَنَّه يَعُودُ كلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ مُجَدَّدٍ".

1- تخصيص المسلمين بعيد الأضحى:
وإذا كانت أعياد غير المسلمين - غالبا - مرتبطة بأمور مادية أو دنيوية، كالارتباط ببداية السنة، أو ببعض المناسبات كموسم الزرع أو الحصاد أو نزول المطر أو ما أشبه ذلك، فإن الله تعالى شرع للمسلمين عيدين مرتبطين بمناسك تعبدية. يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-:"قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال "ما هذان اليومان"؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" ص. أبي داود.

أما عيد الفطر فيعقب شهر رمضان المبارك، فيكون فرحا بانتهاء شهر الصوم، فهو إذن مرتبط بعبادة الصوم، وأما عيد الأضحى، فمرتبط بمناسك الحج، بحيث يقع في شهر ذي الحجة، وهو إحياء لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فلما كان وقعه عظيما، وأثره جسيما، جعله الله تعالى أفضل أيام السنة على الإطلاق. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن أعظم الأيام عند الله - تبارك وتعالى - يوم النحر ثم يوم القر (الثاني بعد العيد)" ص. أبي داود.

والذي يظهر هذه الخصوصية، وتميز المسلمين بهذه العيدين، قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-:"يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا" متفق عليه. وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-:"يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهلَ الإسلام (الاختصاص)، وهي أيام أكل وشرب" ص. أبي داود.

وهذا التخصيص في الإسلام مقصود، درءا للتشبه بغير المسلمين في أعيادهم، ومناسباتهم، واحتفالاتهم، لدرجة قالت اليهود:"ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه" ص. أبي داود.

2- مشروعية الفرح والابتهاج في الإسلام:
لقد تكونت صورة نمطية في أذهان بعض الناس من غير المسلمين، وحتى من بعض المسلمين، أن الإسلام لا يعترف بالفرح ولا بالبهجة، وكأنه دين التجهم، ودين القلق، وزاد من تعميق هذه الصورة، تلك الأحداث المأساوية التي ألصقت تهمة العنف والشدة بالمسلمين، والمسلمون من تلك التصرفات براء. والمطالع لسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن حياته عليه الصلاة والسلام كانت مزاوجة بين الجد وبين المرح والدعابة والاسترواح.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال:"إني لا أقول إلا حقا" ص. الترمذي.

 ومن المرح اللطيف الذي أشاعه النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الصحابة ما رواه أنس رضي الله عنه، أن رجلا من أهل البادية كان اسمه "زاهرا"، وكان يُهدي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هدية من البادية، فيجهزه النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يخرج. فقال -صلى الله عليه وسلم-:"إن زاهرا باديتُنا، ونحن حاضروه". وكان -صلى الله عليه وسلم- يحبه، وكان رجلا دميما. فأتاه النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال:"من هذا؟ أرسِلني". فالتفتَ فعرف النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فجعل لا يألو مَا ألصقَ ظهرَه بصدر النبي -صلى الله عليه وسلم- حين عرفه، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:"من يشتري هذا العبد؟". فقال:"يا رسول الله، إذاً والله تجدني كاسدا". فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"لكن عند الله لست بكاسد". أو قال:"أنت عند الله غالٍ" الطبراني في الكبير، وصححه في الشمائل المحمدية.

 بل الأكثر من هذا أننا وجدنا عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه- يقول:"ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" ص. سنن الترمذي.

 وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول:"تبسمك في وجه أخيك صدقة" ص. الترغيب.

• ويقول:"لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق (طَلِق، طَلِيق:منبسط سهل)" رواه مسلم.
بُنَيَّ إن البر شيء هين 
وجه طليق وكلام لين 

من هنا يأتي العيد، ليرسخ فكرة الابتهاج في نفوس المسلمين. فقد مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على صبيان من أهل الحبشة يلعبون، فقال:"العبوا يا بني أَرفَدة (لقب الحبشة)، لتعلمْ يهودُ أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة" ص. الجامع.

لكن ليس معنى هذا أن نفسح المجال للهو المحرم، فبعض الناس في العيد، وبخاصة بعض الأطفال والمراهقين الذين تكثر أموالهم في هذه المناسبة، يوظفون هذه الأموال في القمار، أو شراء بعض الألعاب النارية الخطيرة، أو في التبذير وصرف المال في غير وجوه الحق.. فهذا ليس من البهجة في شيء، بل هو معصية لله تعالى في يوم نجعل فرحنا فيه قربى وعبادة لله عز وجل، وليس محاداة له، وإغضابا له. وهنا نود أن نهمس في آذان الآباء أن ينتبهوا إلى أبنائهم يوم العيد، وأن يرقبوا مداخلهم ومخارجهم.

ومن مظاهر الابتهاج في العيد - أيضا - التجمل ولبس الجديد والنظيف، من غير إسراف ولا مخيلة، فقد كان للنبي -صلى الله عليه وسلم-"جبة يلبسها للعيدين ويوم الجمعة". وروى البيهقي بسند صحيح أن ابن عمر كان يلبس للعيد أجمل ثيابه. والنساء لا يتجاوزن حدود الله في اللباس، فيخرجن متبرجات بزينة، كاسيات عاريات. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تَفِلات (في ثياب عادية ليست ثياب تبرج وزينة وتعطر)" ص. أبي داود.

3- صلة الأرحام من أعظم مظاهر العيد:
بعد نحر الأضحية، يستحب أن يخصص المسلم وقتا لزيارة الأقرباء، كالوالدين، والأعمام والأخوال والعمات والخالات ومن إليهم، وزيارة الأصدقاء كذلك، وتفقد الجيران، ونحن نعرف أن في الجهات في المغرب، لا يتأتى لأفراد الأسرة أن يرى بعضهم بعضا إلا في مناسبة العيد، فيصلون أرحامهم ويتزاورون ويلتقون، ويفرح بعضهم برؤية بعض، وهذا من أعظم مقاصد العيد، وإن كانت صلة الرحم لا تقتصر على العيد وحده، غير أنها فيه آكد. ويكفي أن الله تعالى حث عليها في آيات كثيرة فقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ [النساء: 1]. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه" البخاري، وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من أحب أن يبسط في رزقة، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه" متفق عليه. وحسبنا أن نعلم أن الله تعالى قرن بين قطيعة الرحم والفساد في الأرض حيث قال: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 22- 23] ، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن قاطع الرحم محروم من الجنة. قال -صلى الله عليه وسلم-:"ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر" رواه ابن حبان. وفي صحيح مسلم:"لا يدخل الجنة قاطع رحم".

واصل الرحم موصول من الله تعالى، وقاطعها مقطوع من رحمته. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فهو لك" متفق عليه.

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال الله عز وجل: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" ص.الترغيب.

تنبيه: بعض الناس يتعللون بأن أقرباءهم لا يزورونهم، بل عليهم أن يبادروا إلى زيارتهم. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" البخاري. وعن مسلم في صحيحه:"أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال:"لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل (كأنما تطعمهم الرماد الحار)، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك".

4- مواساة الفقراء وإشاعة روح التعاون:
إذا كان العيد قد شرع لإشاعة أجواء البهجة والسرور بين المسلمين، فإن من تمام هذه البهجة والسرور مواساة الفقراء والمحتاجين، نشركهم معنا في سرورنا وفرحتنا، بأن نعطيهم من لحم الأضحية ومن الهدايا والعطايا ما يشبعهم في هذا اليوم على الأقل، فيغنيهم عن الطواف والمسألة. وإذا كان أبناؤنا يلبسون الجديد في العيد ويتجملون ويمرحون ويلعبون، فإن أبناء الفقراء يرنون إلى أبنائنا بعيون الحزن والأسى، ينتظرون منا اليد الحانية، والأعطية المفرحة، فلا بأس أن نخصص أبناء الفقراء وبخاصة إذا كانوا جيرانا أو من الأقرباء بشيء من هذه الهدايا، وبذلك يتحقق معنى العيد عند المؤمن بنيل أجره؛ وبالإحسان إلى المعوزين والمحتاجين. فالله تعالى يقول:"إنما المومنون إخوة"، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول:"والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره (أو قال لأخيه) ما يحب لنفسه" رواه مسلم.

ومن الأحاديث البديع في ذلك، ما رواه أبو مالك الأشعري -رضي الله عنه-عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن في الجنة غرفا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام" رواه ابن حبان في صحيحه، وهو في ص. الترغيب. وعند الترمذي في ص. سننه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام".

من هنا تأتي صدقة عيد الأضحى من الأضحية نفسها، إطعاما لهذه الشريحة من الناس، وإشراكا لها في فرحة العيد. قال تعالى:"فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ". ومن الفقهاء من قال تقسم نصفين: نصفا يأكله،  ونصفا يتصدق به. ومنهم ذهب إلى أكل ثلثها، وإهداء ثلثها للجيران والأقرباء، والتصدق بثلثها. واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثاً: ثلثاً للادخار، وثلثاً للصدقة، وثلثاً للأكل، لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"كلوا وتصدقوا وادخروا" مسلم. قال محمد بن الحسن في روايته للموطإ:"وبهذا نأخذ، لا بأسَ أن يأكلَ الرجل من أضحيته، ويدَّخرَ، ويتصدَّق، وما نُحبُّ له أن يتصدقَ بأقل من الثلث، وإن تصدَّق بأقل من ذلك جاز". وقال الحافظ ابن حجر:"والأكمل أن يتصدق بمعظمها". ومدار هذه الأقوال على مواساة الفقراء بإعطائهم من اللحم ما يشعرهم بسريان روح الأخوة الإسلامية والتعاون بين المسلمين، وبهذا تجتمع القلوف، وتشع الألفة، وتتوثق أواصر المحبة.

ونحمد الله تعالى أن هذه الخصلة في بلدنا مشهورة ومنتشرة، فلا تكاد تجد فقيرا من الجيران، وإلا ويهب إليه جيرانه بقطع اللحم التي تغنيه أياما عديدة، وقلما يتزاور الأقرباء إلا وتراهم يتبادلون هدايا اللحم وغيرها، فلله المنة على ذلك.

5- التسامح واتساع الصدور:
من أعظم مقاصد العيد، إزالة الخلافات بين الناس، وإذابة ثلوج الشحناء والبغضاء التي قد تستحكم في بعض النفوس، فالناس يلتقون في المصلى، فيتصافحون، ويتعانقون، ويهنئ بعضهم بعضا بالعيد، ويدعو بعضهم لبعض بموفور الصحة وسلامة الإيمان، ودوام الاطمئنان.. وما أظن المؤمن الغيور على دينه،  العالم بحقيقة التسامح، يلتقي من بينه وبينه شحناء يوم العيد، ثم يتمادى في صلابته، فيغض عنه الطرف فلا يكلمه، ولا يصافحه، ولا يسامحه، والله تعالى عفو كريم.
سبحان من نهفو ويعفو دائما 
ولم يزل مهما هفا العبد عفا 
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه 
جلاله عن العطا لذي الخطا 

يقول تعالى: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [البقرة: 109]. وكان عند أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أحد أقربائه اسمه مسطح بن أُثاثة، يطعمه أبو بكر من طعامه، ويلبسه من لباسه وينفق عليه. غير أن مسطحا هذا تورط في اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، فغضب أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، ثم حبس نفقته على مسطح، وقال:" والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة"، فأنزل الله تعالى قوله:"ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة..  إلى قوله" ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" ، فقال أبو بكر:"بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي". فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. متفق عليه.

هذا عفو يأتي بعد اتهام خطير، يتعلق بالأعراض والقذف، ومع ذلك نزل القرآن الكريم بالعفو والصفح، فكيف ببعض الخلافات اليسيرة التي تجري بين الناس، فيتقاطعون من أجلها، ويتدابرون. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" متفق عليه.

ويقول عليه الصلاة والسلام:"لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه" مسلم.

وعن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلتُ: يا رسول الله، الرجلُ أمُرُّ به فلا يَقريني، ولا يُضيِّفُني، فيمُرُّ بي، أفأجزيه؟ قال:"لا، أقْرِه" صحيح سنن الترمذي.

ومن بديع قصص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن، ما رواه أبو هريرة  -رضي الله عنه- أن رجلا شتم أبا بكر والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يعجب ويتبسم. فلما أكثر، رد عليه بعض قوله. فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددتُ عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال:"إنه كان معك مَلَكٌ يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان". ثم قال:"يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظُلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل، إلا أعز الله بها نصره. وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة. وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله عز وجل بها قلة". رواه أحمد. قال الأنؤوط: حسن لغيره.

ولذلك أوصي نفسي وإخواني المستمعين وأخواتي المستمعات، بأن يستغلوا مناسبة هذا العيد السعيد، فيبادروا إلى الصلح مع كل من يرون أن بينهم وبينه خصام، أو مشاحنة، وحينما أقول يبادروا فمعناه المسارعة والمسابقة إلى من يُحرز هذا الأجر العظيم، أجرَ البادئ بالعفو والتجاوز.

ولا ننسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من التمادي في الخصومة، لأن المتخاصمين سيقفان بين يدي الله تعالى يوم القيامة من أجل القصاص، وقد يسبق ذلك التحاكمُ في الدنيا قبل الآخرة. يقول -صلى الله عليه وسلم-:"تعافَوا فيما بينكم (أي: ليعف بعضكم عن بعض) قبل أن تأتوني، فما بلغني من حَدٍّ فقد وجب" صحيح سنن أبي داود.

6- تجنب المعاصي والمنكرات في العيد:
إن أجواء البهجة والفرح في العيد، يجب أن لا تدفعنا إلى التجاوز  في تقدير هذه النعمة التي أنعم الله بها علينا، فنستعملها في غير محلها. فليس العيد مدعاة للتكبر والتجبر والمشي في الأرض مرحا. وليس لبس الجديد تفاخرا وتكاثرا، وكسرا لقلوب الضعفاء والمساكين. كما ليست عطلة العيد سبيلا لقضاء بياض اليوم في لعب الورق، أو التردد على محلات اللهو والفراغ وضياع الأوقات، مما ينجم عنه ارتكاب المعاصي والمنكرات التي حذرنا منها شرعنا في سائر الأيام.

فالمعصية - مهما صغر شأنها - لا بد أن تخلف أثرا سيئا في نفس صاحبها، وقد تجر - بالدوام عليها والإصرار على فعلها - إلى الوقوع في الكبائر. فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إيّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم. وإن محقَّرات الذنوب متى يُؤخذْ بها صاحبها تَهْلِكْهُ" رواه أحمد، وهو في الصحيحة.

و يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا" البخاري.

والسر في ذلك أننا ننظر إلى المعصية في ذاتها، فنستصغر شأنها، ونتعلل بأننا في يوم عيد، فلا بأس من التوسع في الضحك، ولا بأس من التمادي في المزاح. يقول بلال بن سعد:"لا تنظر إلى صِغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت".

وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/1206/27400/#ixzz2ADzJmfgS

مقاصد العيد 1

جاءت أحكام الشريعة تحقيقاً لمصالح العباد في الدنيا والآخرة , وقد وردت كثير من النصوص الدالة على أن الشريعة وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل , نذكر منها قوله تعالى: { لعلكم تهتدون } [البقرة:53] وقوله سبحانه : { لعلكم تتقون } [البقرة:21] وقوله: { ولكم فيها منافع } [غافر:80] وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تفيد هذا المعنى. 

ومن هذا القبيل، مشروعية العيد، فإن لمشروعيته حِكَماً ومقاصد، يمكن تلمُّسها وتدبرها من خلال النصوص الواردة، في هذا الشأن؛ ونحن نحاول تلمس شيء من ذلك - أخي الكريم - في المقال الذي بين يديك. 

فمن أهم المقاصد التي شُرع العيد لأجلها، الالتقاء بين المسلمين والاجتماع فيما بينهم. 

وأبرز ما يتجلى ذلك في صلاة العيد، وهم يذكرون الله واحد " الله أكبر الله أكبر" 

وما يستشعره كل فرد منهم من رابطة الأخوة التي تجمع بينهم، والإيمان الذي يوحد قلوبهم، تحت راية واحدة، هي راية الإسلام، وشعار واحد هو شعار التوحيد" لا إله إلا الله"، ولأجل هذا المعنى كان من السُّنَّة أداء صلاة العيد في المصلى، حيث يجتمع معظم أهل البلد في مكان واحد، وعلى صعيد واحد، يؤدون صلاة العيد، ويتبادلون أطراف الحديث في أمر دينهم ودنياهم. 

ومن مقاصد العيد إدخال الفرحة على المسلمين بعد أدائهم عباداتهم، فعيد الفطر يأتي بعد صوم شهر رمضان، وعيد الأضحى يأتي بعد انقضاء أعظم أركان الحج وهو يوم عرفة، فالعيد مرتبط بالعبادة ولصيق بها، وفي ذلك إشارة عظيمة أن تعب المتعبدين يأتي بعده الفرح والسرور، وأن العيد إذا كان جائزة المتعبدين في الدنيا، فإن الجائزة الكبرى في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار. 

ومن مقاصد العيد أنها تفتح مجالاً لوصل ما انقطع بين الأرحام والأقارب والأصدقاء، فليس هناك وقت تصفو فيه النفوس، وتقبل على بعضها كأيام العيد، فهي أيام حري بكل ذي حقد على إخوانه أن ينبذه، وبكل من طبعت علاقته بأهله شائبة أن يزيلها، فتتآلف القلوب وتتعانق الأرواح في سماء المحبة والإخاء. 

ومن مقاصد العيد أن يحيى الفقراء المسلمون جميعاً في كفاف من قوتهم ولبسهم، فيفرحون بالعيد كما يفرح غيرهم، ويلبسون الثياب النظيفة كما يلبس غيرهم، ولا يتعرضون لذل السؤال، لذلك شرع الله صدقة الفطر لمواساتهم؛ كما ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، وقال أغنوهم في هذا اليوم )رواه الدار قطني ، وفي سنده ضعف. 

ومن مقاصد العيد المعتبرة، تغيير نمطا الحياة المعتادة، وكسر رتابتها الثابتة، وذلك أن من طبيعة النفس الإنسانية أنها تحب وتتطلع دوماً إلى تغيير ما اعتادته وألفته من عادات، فكان العيد مناسبة لتغيير نمط الحياة، بحيث يشعر المسلم في هذه المناسبة بصلة جديدة مع من حوله، ويحس واقعاً متجدداً من الحياة. 

ومن مقاصد العيد التوسعة على المسلم باللهو المباح، يرشدك لهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لـ أبي بكر رضي الله عنه، وقد دخل على عائشة رضي الله عنها في يوم عيد ووجد عندها جاريتين تغنيان، فأنكر عليها ذلك، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما ، والحديث في "الصحيحين" و المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : ( دعهما) مراده صلى الله عليه وسلم أن لكل قوم في عيدهم فرحاً ومسرة وشيئاً من اللهو، فهذاإعلام بالرخصة في غناء الجاريتين، لأجل كون اليوم يوم عيد. وقد اشترط أهل العلم أن يكون الغناء من جاري وهي ما دون سن البلوغ من النساء وكذا أن يكون الغناء كغناء يوم بعاث , غناء حماسي وعفيف دون أدوات موسيقية أو مزامير ، فتبين من ذلك أن من جملة المقاصد في تشريع العيد إجمام النفوس وارتياحها. 

وقريب مما تقدم، كان من مقاصد العيد مباسطة الأهل ومداعبتهم والتوسعة عليهم، خاصة بعد أن أختل ميزان العلاقات الاجتماعية، إذ باعدت تكاليف الحياة وشؤونها وشجونها بين الأب وأبنائه، وبين الزوج وزوجته، وبين الإنسان وأرحامه؛ فيأتي العيد لِيُعيد شيئاً من ذاك التوازن المفقود، ويصحح الوجهة وفق الهدف المنشود. 

فهل يتنبه المسلمون لهذه المعاني الرفيعة في شرعية العيد، فيلتمسوها ويمتثلوها { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ق:37]. 

مدونة الارض لنا " كل ما يخص المسلم صاحب الهم والدعوة"

قناة الاقصي وتردد جديد