السبت، 11 أغسطس 2012

اسم الله البر


بسم الله الرحمن الرحيم
 مع الاسم الواحد والسبعين من دروس أسماء الله الحُسنى، والاسم هو اسم البَرّ.. البَرُّ اسمٌ من أسماء الله الحُسنى ورد في الأحاديث الشريفة التي أُدرجت فيها أسماء الله تعالى.
 والبرُّ.. هذه الكلمة باؤها مثلَّثة.. ومعنى ذلك أي أنَّ هناك بَرٌ، وبُرٌ، وبِر، فالبُرُّ هو القمح.. والبِرُّ هو الإحسان.. والبَرُّ هو اليابسة في الأصل، أما البَرّ إذا كان إسماً من أسماء الله الحُسنى هو بالفتح، أي فاعل البِرّ، والبِرّ هو الإحسان، أي المحسن فقد قال تعالى:
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)﴾
(سورة الطور)
 أي هو المحسن.
 البِرُّ هو الصِلة، والمعروف هو الخير، المبالغة في الإحسان، البَرُّ هو المُحسن، فلان ٌ بارٌ بأبويه إذا كان محسناً لهما، البَرُّ من الخلق من تتوالى منه أعمال البِرّ، فهناك مبالغة فمن تتوالى منه أعمال البِر من الخلق يسمَّى براً، أما إذا كان هذا الإسم منسوباً إلى الله عزَّ وجلَّ فالبرُّ هو مطلق الإحسان.
 البِرِّ بالكسر.. الصلة والإحسان، فلان يبَرُّ والديه أي يصلهما بإحسانه، وفلان يبَرُّ رحمه أي يصلهم، والصلة العطاء مع اتصال، عطاء مع زيارة، والله جلَّ جلاله يقول:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾
(سورة الممتحنة)
 هذه الآية أيُّها الإخوة القراء دقيقة المعنى جداً، قد تلتقي في عملك وفي محيطك، وقد تلتقي مع أقربائك بنماذج لا يُناصبونك العِداء، ولا ينكرون عليك تديُّنك، بل إنَّهم أضعف من أن يتمسَّكوا بما أنت عليه، هؤلاء يُقدِّرونك لكنهم ليسوا ملتزمين، لم يصطلحوا مع الله بعد، لم يقبلوا عليه ليسوا ملتزمين لكنَّهم لا يُناصبونك العداء، بل يقدِّرون فيك هذا الاتجاه الطيِّب، هذا التديُّن الصادق، مثل هذه النماذج من الناس فمن الجريمة أن تُسيء إليهم، هؤلاء يقدِّرون منصفون، يتمنَّوْن، وهم غير ملتزمين، فلا تعنِّفهم، لا تناصبهم العِداء بل أمِل قلوبهم نحوك استمل قلوبهم إليك، لقوله تعالى:
﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
 أن تبَرُّهم أي أن تُحسنوا إليهم، فإذا لم يكن يصلّي ولكنه لا يُعاديك، أنت إن أحسنت إليه حملته على الصلاة، أنت إن أحسنت إليه حملته على حضور مجلس علم، أنت إن أحسنت إليه حملته على الطاعة. 
 لذلك من الحُمق الشديد أن تجد إنساناً غير ملتزم لكنَّه لا يعاديك ويقدِّر فيك تدُّينك، يكبر فيك استقامتك لكنَّه لم يصطلح بعد مع الله، هذا النموذج ينبغي أن تُحسن إليه، وينبغي أن ترعاه، ينبغي أن تُمِدَّ إليه يد المساعدة، ينبغي أن يرى فيك تواضُعاً، وانفتاحاً وإحساناً لأنَّه قد ورد في الحديث القدسي: أن يا داوود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإنَّ النفوس جُبِلت على حبِّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.
 وليثق القارىء الكريم أنّ كثيرا من المؤمنين ممّن هم أرقى مستويات الإيمان سبب إيمانه وإلتفاته إلى الله وإقباله عليه موقفٌ أخلاقي من مؤمنٍ، فإنَّه يوم كان متفلِّتاً وغير ملتزم التقى بمؤمن فأحسن إليه وتلطَّف معه وأكرمه فانشرح قلبه للإيمان.
فقد قرأت قصَّة عن عدَّة فتيات في بلد عربي اشتُهر بالفن، فهؤلاء الفتيات تُبن إلى الله عزَّ وجلَّ وتحجَّبن واصطلحن معه، وشكَّلن مجتمعاً صغيراً واعتزلن الفن، إحدى اللواتي لم تستقمن ولم تصطلح مع الله ولم تتُب بعد تاقت إلى أن تعرف حياة هؤلاء النسوة اللواتي اصطلحن مع الله، فذهبت لزيارتهن.. والنقطة الدقيقة في هذه القصَّة أنَّهنّ رحبن بها واستقبلنها ورأت بأُمِّ عينها مجتمع الصدق والوفاء والحب والاستقامة والطهر والعفاف والالتزام، ولأنَّهُنَّ استقبلنها ورحَّبن بها وأرينها ما هنَّ عليه من تواصل، ومن حب، ومن وئام، ومن مودَّة، ومن عفاف ومن طهر، انضمَّت إليهن، حينما طرقت بابهُن لم تكن ملتزمة، لو رفضنها وطردنها لبقيت شاردةً، بقيت بعيدةً في سكة التيه والضلال.
 فأقول وبهذه الدقَّة.. عليك إذا إنسان ليس ملتزماً إطلاقاً أراد أن يزورك أراد أن يلتقي بك، أراد أن يرى على أيِّ شيءٍ أنت، فينبغي أن تفتح له صدرك وأن تُرحِّب به، وينبغي أن يرى من كمالك ومن تواضُعك، ومن كريم خصالك ومن حبِّك له، هذا الموقف الأخلاقي هو الذي سوف يجُرُّه إليك، هذا الموقف المتواضع هو الذي يحمله على التوبة، ورحم الله القائل: 
أحسن إلى الناس تستعد قلوبهم  فطالما استعبد الإنسان إحسان.
***
 أنت لم تكن ملتزماً وقد منَّ الله عليك واصطلحت معه وأقبلت عليه، ألا تُحبُّ أن يكون الخير عاماً ؟ كيف كنت بعيداً عن الالتزام وجاء أُناسٌ تتقرَّب منك وحملوك على طاعة الله، كما فُعِل بك افعل مع غيرِّك، كما ذكَّرك الله ذكِّر غيرك، كما أحسن الله إليك أحسن إلى عباده، كما أنعم الله عليك بنعمة الهدى أنعم على عباده بنعمة الهدى، لا تكن مغلقاً، لا تكن محدوداً، لا تكن متعصِّباً، لا تكن متشنِّجاً من هؤلاء غير الملتزمين، فماذا يحدث لو رأوا منك الكمال.
 أبو حنيفة النعمان له جار يغني طيلة الليل، بحيث يعكّر على الإمام ليله، ولا يستطيع أن ينام، ويقول:
أضاعوني وأيُّ فتىً أضاعوا..  ليوم كريهةٍ وطِعانِ خلسِ.
***
 أُلقي القبض عليه فذهب أبو حنيفة إلى السجن يشفع له، فلمّا رأى السجَّان أبا حنيفة النعمان بمهابته يأتي ليشفع لجاره فأطلق سراح كلَّ من في السجن إكراماً له، وفي طريق العودة إلى البيت قال: يا فتى هل أضعناك ؟ تقول دائماً أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا فهل أضعناك.. فكان هذا الموقف الأخلاقي سبب توبته.
  يروى أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان له جارٌ يؤذيه أبلغ الأذى، وفي أحد الأيام انقطع عنه أذاه.. فمعنى ذلك أنَّه مريض.. فذهب إلى عيادته، فكانت هذه العيادة سبب إيمانه وإسلامه واصطلاحه مع الله.
 فالبطولة لا أن تكون مكافئاً.. ليس الواصل بالمكافئ، لكنَّ الواصل من إذا قطعه الناس وصلهم، بطولتك لا أن ترُدَّ على زيارةٍ بزيارة، أو هديَّةٍ بهديَّة، أو لقاءٍ بلقاء، أو وليمةٍ بوليمة فليس لك فضل بذلك، أما البطولة أن تبادر، ألم يقل النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
(( أمرني ربِّي بتسع.. خشية الله في السرِّ والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أُعطي من حرمني ))
 هذا الذي يقرب الناس إليك، وهذه الآية دقيقة دلالتها جداً قال تعالى:
(( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ))
(( أَنْ تَبَرُّوهُم))
 أي أن تحسنوا إليهم، وما دمنا في هذا الموضوع أذكر لكم آيةً أخرى يقول الله عزَّ وجلَّ: 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
(سورة المائدة)
﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا ﴾
 لا تحملَنَّكم عداوة قومٍ.. وأعداؤكم هم الكفَّار.. على ألا تعدلوا معهم.
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
 إن عدلتم معهم قرَّبتموهم إلى الله، وتقرَّبوا منكم، أما إن ظلمتموهم أبعدتموهم عن الله.
 فلو أن إنساناً يصلِّي وأساء لنفَّر الناس من دينه، أو إنساناً يصوم وأساء نفَّر الناس من دينه، إنسان يؤدِّي زكاة ماله لو أساء نفَّر الناس من دينه، فأنت إما أن تكون مقرِّبًا، وإما أن تكون منفِّرًا، إما أن تكون جامعًا، وإما أن تكون مفرِّقًا.
وفي سورة آل عمران قال تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾
(سورة آل عمران)
﴿ الْبِرَّ ﴾
 مطلق عطاء الله، إحسانه لكم في الدنيا، إحسانه لكم في الآخرة، سعادةٌ تملأُ القلب، صِحّةٌ تحفظ الإنسان، هيبةٌ تعين الإنسان على معيشته، كلُّ أنواع الخير ينطوي تحت بكلمة البر
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
 أي إذا توهَّمت أنَّ الجنَّة ركعتان تؤدِّيهما ودرهمان تنفقهما وانتهى الأمر عند ذلك الحد وأفعل بعدها ما تريد فأنت مخطىء كل الخطأ.. لا.. إنَّ سلعة الله غالية، إنَّ سلعة الله غالية،إنَّ سلعة الله غالية فاسمع قول الله تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
 الشيء النفيس، الوقت الثمين، المال الذي جمعته من كدِّك الحلال، الشيءُ الذي بذلت جهداً فيه للوصول إليه، هذا ينبغي أن تُنفقه..
﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
 شاهد آخر: الحجُّ المبرور، ونحن لا زلنا في كلمة البِر، والبَر، والبُر.. اسم الله تعالى البَرُّ.. أي المحُسن لأنَّه يعطي البِر ويعين عليه وهو الإحسان، الحجُّ المبرور هو الذي لا يخالطه شيءٌ من المآثم، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))
 أي حجٌ لم يخالطه إثم، لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج.. والحجُّ المبرور ليس له ثوابٌ إلا الجنَّة فقد قال تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(197) ﴾
(سورة البقرة)
 البِر.. التقوى، وهذا من معاني البر فقد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾
(سورة المائدة)
 وقيل البر.. التقوى.. التوسُّع في فعل الخير، وقيل إسمٌ جامعٌ لكلِّ الطاعات، ولكلِّ أعمال الخير المقرِّبة إلى الله، أو إسمٌ جامعٌ لمرضيِّ الخصال.. وهذا شيء دقيق جداً فالتقوى.. إسمٌ جامعٌ لكلِّ الطاعات، إسمٌ جامعٌ لكلِّ القربات، إسمٌ جامعٌ لكلِّ الخصال الفاضلة، إسمٌ جامعٌ لكلِّ الأفعال المرضية.. والبر هو التقوى، وفي قاموس تاج العروس.. البر خيرُ الدنيا والآخرة.
 خيرُ الدنيا ما يُيَسِّره الله تعالى للعبد من الهدى والصِّحة وراحة البال والطُمأنينة والرِزق النفسي، وفيها من السرور والسعادة والهيبة، وفيها الزوجة الصالحة والأولاد الأبرار والدخل الحلال.
 وخير الآخرة.. الفوز بجنَّة الله وما فيها من النعيم المقيم، النعيم الدائم، ومن حورٍ عين، ومن وِلدانٍ مخَلَّدين، من جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، من فواكهٌ وهم مكرمون، وفيها النظر إلى وجه الله الكريم، والفوز برضوان الله عزَّ وجلَّ الذي هو أكبر من كلِّ شيءٍ في الجنَّة فقد قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) ﴾
(سورة التوبة)
 فالبِر اسم جامع لخيريّ الدنيا والآخرة.
 النبيُّ عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ الْكَذِبَ لا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلا هَزْلٌ وَقَالَ عَفَّانُ مَرَّةً جِدٌّ وَلا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيًّا ثُمَّ لا يُنْجِزُ لَهُ قَالَ وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ لَنَا لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَلا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ))
 خير الدنيا والآخرة منطو بكلمة البر.. فقد قال تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
 عليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وأرقى أنواع الصدق أن تكون صادقاً مع الله، ثم يلي ذلك أن تكون صادقاً مع نفسك، ثم يلي ذلك أن تكون صادقاً مع الناس.
 أن تكون صادقاً مع الله.. فأنَّك إذا عاهدَّته على التوبة ألا تنتكس بعد التوبة، وإذا عاهدَّته على الطاعة ألا تعصيه بعد العهد، وإذا قبَّلت الحجر الأسود وفاوضَّته وزرفت عنده الدموع، وعاهدته وقتها ألا تعصيه في بلدك، الصدق أن تنفِّذ هذا العهد.
 إنَّ الصدق يهدي إلى البر... أي إلى الصلاح، إلى خير الدنيا، إلى خيري الدنيا والآخرة، إلى الخير المطلق.
 قال العلماء: زمزم هذا النبع الذي تفضَّل الله به على السيِّدة هاجر وعلى المسلمين من بعد ذلك، يسمَّى هذا النبع برَّةً.. لكثرة منافعها وكثرة مائها وسعة خيراتها.
 البَر أبلغ من البار.. نقول مثلاً علاَّمةٌ وعالم، العلاَّمة أبلغ، البر أبلغ من البار وإن كانا بمعنى واحد وهو المحسن، فلو قلنا: فلان بارٌ بوالديه. وأما إذا قلنا: فلان بَرّ أي تتالى بِرُّه، وتوالى إحسانه، وكثر عطاؤه، وكثر خيره وطاب، البر أبلغ من البار.
 أما البرُّ في حقِّه تعالى فهو فاعلُ البِرِّ والإحسان، يحسن إلى عباده بالخير، فالله عزَّ وجلَّ لماذا خلق الخلق ؟ خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليحسن إليهم، خلقهم ليكرمهم، أصل الخلق إحسان، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: إني والإنس والجنَّ في نبإٍ عظيم.. أخلق ويُعبد غيري، أرزق ويشكر سواي.
 مشروع الكون كلِّه هدفه الإحسان فقد قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
(سورة هود)
 فالبَرُّ.. في حقِّه تعالى أي فاعل البِرِّ والإحسان، يحسن إلى عباده بالخير.
 والإمام الغزالي يقول: " البَرّ.. المحسن بالبِرِّ المطلق "، فأحياناً المصيبة إحسان فتجد إنساناً شارداً غافلاً تائهاً ومنحرفاً، والله عزَّ وجلَّ بَرّ أي إحسانه مطلق يسوق له بعض الشدائد ليحمله على التوبة، وإذا حمله على التوبة وتاب إليه قبله وأكرمه، فأحياناً كلُّ مصائب الدنيا تنطوي تحت اسم البَر.
 طفل يتيم تُوفِّي والده وله جار محسن، لمحة مرَّةً يسرق فاكهةً من دكان، فأمسك بيده وعنَّفه ووبَّخه وذكَّره بالقيم الأخلاقيَّة وصار يتابعه، إلى أن انضبط هذا الطفل وتابع دراسته وكبرت سنُّه ونجح في حياته، فبقي سنواتٍ عديدة يقول: لولا هذا الإنسان المُحسن الذي أدَّبني ونبَّهني وراقبني وعنَّفني ما كنت فيما أنا عليه.
 وكذلك الله سبحانه وتعالى يكشف لعبده المؤمن يوم القيامة عن كلِّ شيءٍ ساقه له في الدنيا من متاعب، لا شكَّ أنَّ هذا الإنسان يذوب من شدَّة الامتنان إلى الله عزَّ وجلَّ.
﴿ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
 لا أريد أن أطيل في هذا الموضوع لكن كل مسلم يعلم لولا أنَّ الله تداركه باللطف، وبالتأديب أحياناً، وبالتخويف أحياناً، أحياناً مرضٌ يبدو أنَّه عُضال، أحياناً فقرٌ مدقع، أحياناً إنسانٌ قاهر يُضَيِّق عليه هذه كلُّها تضيقاتٌ تنطوي على الرحمة ويؤكِّد هذا قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
(سورة الأنعام)
 قيل: البَر.. هو الذي لا يصدر عنه القبيح. وهذا التعريف سلبي، فالبر لا يمكن أن يصدر عنه شيءٌ قبيح.
 وقد ذكر الإمام الرازي أقوالاً: " البر.. هو الذي منَّ على المريدين بكشف طريقه وعلى العابدين بفضله وتوفيقه ".
أي أنّ عابداً منَّ الله عليه بقبول العبادة، سالك إلى الله يسَّر له الطريق إلى الله، وأنّ إنسانًا أراد الإحسان مكَّنه من الإحسان، البر المحسن يعطي كُلاً سؤله فقد قال تعالى:
﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾
(سورة الإسراء)
 قيل: " البَر.. هو الذي منَّ على السائلين بحسن عطائه، وعلى العابدين بجميل جزائه.
 وقيل: " البَر.. الذي لا يقطع الإحسان بسبب العصيان ".
 إذا قال العبد: يا ربِّ وهو راكع. قال له الله: لبيك يا عبدي فإذا قال: يا ربِّ وهو ساجد. قال له: لبَّيك يا عبدي. فإذا قال: يا ربِّ وهو عاصٍ. قال الله له: لبَّيك ثم لبَّيك ثم لبَّيك.
 وأنت حينما ترى أمًا لها ابنٌ شارد عنها بعيد، ولها أولاد بَررة معها دائماً، كلُّ قلبها مع الشارد، كلُّ تعلُّقها مع الشارد، فإذا عاد هذا الشارد إليها فيوم عودته عيد عندها، لذلك الله عزَّ وجلَّ كما في الحديث الشريف: لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من الضالِّ الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد.
 وقيل: " البَر.. هو الذي يحسن إلى السائلين بحسن عطائه، ويتفضَّل على العابدين بجزيل جزائه، لا يقطع الإحسان بسبب العصيان وهو الذي لا يصدر عنه القبيح، وكلُّ فعله مليح ".
 مرَّةً ثانية.. البَر هو الله عزَّ وجلَّ، أما البِر هو خير الدنيا والآخرة، لذلك من الأدعية اللطيفة: اللهمَّ اجعل نعم الآخرة متَّصلة بنعم الدنيا، فهناك حالات رائعة جداً.. كإنسان متَّعه الله بالصحَّة، ومتَّعه بالعمر المديد، ومتَّعه بالعمل الصالح، ومتَّعه باليقظة الفكريَّة، ومتَّعه بالحب فلما توفي انتقل إلى الجنَّة، هذه النعم العظيمة في الآخرة اتصلت بنعم الدنيا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
 اسم البَر ورد في القرآن مرَّةً واحدة فجاء في سورة الطور:
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ ﴾
 هم في الجنَّة الآن ويتحدَّثون عن ربِّهم
﴿ نَدْعُوهُ ﴾
 في الدنيا.
﴿ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
 أي بَرٌ رحيمٌ بنا في الدنيا والآخرة.
 ورد مشتق هذا الإسم في سورة مريم، في قوله تعالى: 
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً (14)﴾
(سورة مريم)
 وفي السورة نفسها ورد على لسان سيدنا عيسى: 
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (32)﴾
(سورة مريم)
 معنى ذلك أنَّ الإنسان إذا أراد الله تأديبه في حياة أمِّه ربَّما كان بعضُّ هذا التأديب لأمِّه. لذلك ورد في الأثر القدسي أنَّه إذا ماتت الأم قال الله سبحانه وتعالى:
(( عبدي ماتت التي كنا نكرمك لأجلها، فاعمل صالحاً نكرمك لأجله.))
 أي أنَّ جزءًا من إكرام الله لك في حياة أُمِّك من أجل أُمِّك، لأنَّ الله إذا أدَّب عبده في حياة أُمِّه نصف التأديب لأمِّه.
 فأحياناً أباً يتألَّم من ابنه فيدعو عليه، فإذا استجاب الله دعاءه تألَّم ألماً أشدَّ.. فلا تتمنّ ذلك..
﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾
 أيُّها القارىء الكريم... شعور الأب حينما يكون ابنه شارداً منحرفاً، شقياً، بعيداً عن الدين شعور أسًى لا يوصف، فقد يتألَّم ألماً يوجعه ويقعده، لو أنَّ الدنيا كلَّها بيديه وانفقها من أجل أن يصلُح ابنه لفعل، فمن رزقه الله ابناً صالحاً، وطاهراً، منيباً، مصلياً، عفيفًا، سلوكه حسن هذا الأب عليه أن يُقبِّل الأرض شكراً لله عزَّ وجلَّ.
 سبحان الله فالإنسان كلَّما تذلل إلى الله ارتقى عند الله، فمنذ يومين أخ كريم له مشكلة كبيرة جداً، فلجأ إلى قيام الليل، يصلّي قيام الليل وفي السجود دعا ربَّه لحلِّ هذه المشكلة والقصَّة من أغرب القصص حُلَّت بشكلٍ هيّن ولا عنت فيه، وقد ذكر لي التفاصيل ومن غير المعقول أن تُحلُّ بهذه الطريقة، ومن شدَّة تأثُّره وبينما هو يجلس في المسجد قام وسجد لله عزَّ وجلَّ شكراً.
 فالمؤمن إذا أصابه خير، أو له مشكلة حُلَّت، له قضيَّة فُرجت، أو شبح مصيبة أزيح عنه، أو شيء ناله، وقام وصلَّى لله صلاة الشكر وسجد فهذا من مكارم الأخلاق، فقد تأثَّرت.. قام وسجد وشكر الله على حلِّ هذه المشكلة
﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾
 ورد هذا الإسم مشتقاً في آيةٍ ثالثة في سورة عبس قال الله تعالى: 
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)﴾
(سورة عبس)
 فالبَر أي المحسن، مطلق الإحسان.. يجوز أن تقول فلان بَرٌ سعيد.. فالنبي قال:
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ))
 قال العلماء: يجوز أن تقول فلان بَر.. فالعبد يكون براً بقدر ما يفعل من البر، وأفضل إنسان عليك أن تبرُّه أبوك وأمُّك ومن علَّمك ومن زوَّجك، فقد أتألَّم أشدَّ الألم من صهر يناصب عمَّه العِداء، فقد زوَّجك ابنته وربَّاها عشرين سنة، أطعمها وأسقاها وأكرمها وعالجها وأدّبها وقدمها لك هديَّة، فليس لك هماً بعد ذلك إلا إغاظته، فهذا منتهى اللؤم.
 لذلك قالوا: أبٌ أنجبك، وأبٌ زوَّجك، وأبٌ دلَّك على الله.
 أبٌ أنجبك.. الأب النسبي، وأبٌ زوَّجك.. وهو عمَّك والد زوجتك، وأبٌ دلَّك على الله وهو من أخذ بيدك إلى الهداية، فهذه الزوجة التي عندك في البيت، وهذا أبوها فإن أسأت إليه أسأت إليها، فليس هناك إنسان إلا وهو يحبّ أمَّه وأباه، فإذا أسأت إلى أُمِّها وإلى أبيها أسأت إليها، فإذا أردتَّها أن تموت في حبِّك وأنت تسيء إلى أُمِّها وأبيها فهذا فعل إنسان غبي، واعلم أنّها لن تحبِّك، فإذا أردّت أن تُكافئها على إخلاصها بإخلاصٍ أكرم أبويها.
أُعلِّمه الرماية كلَّ يومٍ  فلما اشتدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي..  فلما قال قافيةً هجاني
***
 إذا لم يكن في الإنسان خير لأمِّه وأبيه ولمن علَّمه ولمن زوَّجه فليس فيه خير لأحد، لأنَّ هؤلاء لهم فضلٌ كبير.
وقد ذكرت ذات مرَّة مثلاً افتراضيًا والفقرة الأولى فيه واقعيَّة.. شخص يمشي في الطريق رأى حركة داخل كيس أسود في حاوية للقمامة، فأمسك به فإذا بطفل ولد لتوِّه.. وهذه القصَّة وقعت، وهذا الطفل ابن زنى أُلقي في الحاوية.. فأخذه إلى المشفى وعالجه واعتنى به وأحضره إلى بيته، وجعله أحد أفراد أسرته وأدخله المدرسة، فاجتاز المراحل الدراسيَّة من ابتدائي وإعدادي وثانوي فنبغ فأدخله كلِّية الطب، ثم أرسله إلى أمريكا، وجاء بشهادة بورد وزوَّجه ابنته واشترى له عيادة وأعطاه رأس مال، واشترى له جهازها، واشترى له سيَّارة وبيتاً وفي ذات يوم كان عمُّه يمشي في الطريق فرأى صهره يركب مركبته، فقال له: يا فلان أوصلني إلى البيت. إنّ هذا الطبيب اللامع الذي كان داخل كيس أسود في الحاوية لو أنَّه تردد في تلبية طلب عمِّه ثانية واحدة لكان في حقِّه مجرماً.
 سيِّدنا عبد الله بن رواحة عندما رأى صاحبيه قد استُشهِدا قال: 
يا نفس إلا تُقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليتي
إن تفعلي فعلهما رضيتي  وإن تولَّيتي فقد شــقيتي.
***
 لو حسبنا الوقت الذي قال فيهما البيتين لكان ثلاثين ثانية.. تردد، فلما قال النبي:
(( أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قُتل، وإنّي لأرى مقامه في الجنَّة، ثم أخذها أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قُتل وإني لأرى مقامه في الجنَّة، ثم سكت.. فقال أصحاب النبي: ما فعل عبد الله ؟ فقال: ثم أخذها عبد الله فقاتل بها حتى قُتل وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه.))
 درجته نزلت لتردد لعدة ثوانٍ.. ثم مات شهيداً، إحسان الله كبير جداً، فإذا ترددت في خدمة إنسان بإنفاق، أو بصدقة، أو ترددْت بأداء صلاة، أو بحضور مجلس علم فهذه مشكلة كبيرة.
 قالوا: من أدب المؤمن مع هذا الإسم العظيم.. أن تكون أعماله كلُّها خيِّرةً، أي يتخلَّق بأخلاق هذا الإسم، إن فعل هذا غُرِست محبَّته في قلوب العباد.
 ألوان بِرِّ الله لعباده كثيرة.. قال بعض العارفين: " سبحان ربِّي الحنان المنَّان، الذي منَّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة، والذي منَّ على المؤمنين بأن جعلهم من أصحاب اليمين، وهو الذي ألهمهم القيام بالأعمال الصالحة، وهو الذي رزقهم القبول، وقبول أحسن ما عملوا، وهو الذي يتجاوز عن سيِّئاتهم".
 فالله عزَّ وجلَّ عطاؤه كبير لذلك قيل:
وجدناك مضطّراً فقلنا لك: أدعُنا  نُجبك..فهل أنت حقاً دعوتنا ؟
دعوناك للخيرات أعرضّت نائياً  فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنا ؟
فيا خجلي منه إذا هو قال لي:  أيا عبدنا ما قرأت كتابنا ؟
أما تستحي منّا ويكفيك ما جرى  أما تختشي من عُتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعا ً وتنظر ما به جاء وعدنا
إلى متى أنت باللذات مشغولُ  وأنت عن كلِّ ما قدَّمت مسؤولُ
***
 قال العلماء: حظُّ العبد من هذا الإسم البَر أن يكون مشتغلاً بأعمال البِر، كما قال العلماء: " تخلَّقوا بأخلاق الله ".
 الله عزَّ وجلَّ بَر.. أي محسن، أنت ينبغي أن تشتغل بأعمال البِر، وقد جمع الله أعمال البِر في آيةٍ واحدة في سورة البقرة قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾
(سورة البقرة)
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾
 لا بدَّ من أن تقتطع من وقتك وقتاً كي تؤمن بالله.
 فالجانب الاعتقادي..
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾
 أما الجانب العملي أوَّله البذل..
﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾
 أما العبادات الشعائريَّة..
﴿ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾
 وأما العبادات الأخلاقيَّة..
﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ﴾
 ولعلَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم مستلهما هذه الآية قال: 
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا وَفِي الْبَاب ))
 قال العلماء: من شرط البر أن تبذل الأحسن.. كما قال الله تعالى: 
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
 وفهمكم أيها القراء الكرام كفاية..
﴿ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
 أحياناً أغلى شيءٍ عليك الوقت ينبغي أن تنفقه في سبيل الله، أحياناً أغلى شيءٍ عليك مكانتك يجب أن توظِّفها في خدمة الحقّ.
أيُّها القارىء الكريم... قال العلماء: من تخلُّق العبد بهذا الاسم أن يكون مشتغلاً بأعمال البِر واستباق الخيرات.. وهناك معنى سلبي.. وألا يضمر الشرَّ لأحد وألا يؤذي أحدًا، فإنَّ البَر هو الذي لا يؤذي.
(( عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم يقول: البِرُّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديَّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تَدين تُدان ))
 أي أنَّ المؤمن معطاء، وغير المؤمن أخَّاذ، المؤمن بالتعبير الحديث اتخذ قرارًا إستراتيجيًا أن يُعطي.. يُعطي من وقته ومن ماله ومن خبرته، والكافر بُنيته مبنيَّة على الأخذ.
 لا زلنا في الحديث عن أدب المؤمن مع اسم البَر.. قالوا: المؤمن متى عرف أنَّ الله هو البَرُّ الرحيم ينبغي أن يكون باراً بكلِّ أحد كما يقول الإمام القشيري، لا سيَّما بوالديه لحديث: رضا الربِّ في رضا الوالدين، وسخْطه في سخطهما.
 حُكي عن موسى عليه السلام لما كلَّمه ربُّه رأى رجلاً في أعلى مكانةً عند الله فتعجَّب من علوِّ مكانته، فقال: يا رب.. بِمَ بلغ هذا العبد ذاك المكان !؟ فقال: إنَّه كان لا يحسُد عبداً من عبادي على ما آتيته، وكان براً بوالديه.
 لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23)﴾
(سورة الإسراء)
 قالوا: من كان الله باراً به عصم عن المخالفات نفسه، وأدام بفنون اللطائف أُنسه ووفَّر في طريقه اجتهاده، وجعل التوفيق زاده، وجعل قصده سداده، ومنبع سلوكه إرشاده وأغناه عن أشكاله بأفضاله، وحماه عن مخالفته بيمن إقباله.
 هذا الإسم متعلِّق بالإحسان، بالحركة، فأحياناً تجد المؤمن له خصائص عقائديَّة، أو خصائص أخلاقيَّة، وكذلك خصائص سلوكيَّة، أي أنَّك حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، ماذا فعلت ؟
 أنواع البِر لا تُعدُّ ولا تُحصى، فهناك المساكين والفقراء، وهناك العناية بالأيتام والأرامل، وهناك معاونة العجزة، وأيضاً هناك الدعوة إلى الله، والأمرّ بالمعروف، وتعليم العلم وتعلُّم العلم، فأنواع البرّ لا تعد ولا تحصى، فالاسم حركي، أي أنّ هذا الإسم متعلِّق بأعمالك الصالحة، ولا تنس أن حجمك عند الله بحجم أعمالك الصالحة، وأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾
(سورة الأحقاف)
والحمد لله رب العالمين

الجمعة، 10 أغسطس 2012

اتـبـاع الـهـوى يصد عن الحق



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعدمعنى الهوى فى اللغة والشرعالهوى هو ميل النفس إلى الشىء يقال:هذا هوى فلان وفلانة هواه رأى مهويته ومحبوبته..
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد

معنى الهوى فى اللغة والشرع
الهوى هو ميل النفس إلى الشىء يقال:هذا هوى فلان وفلانة هواه رأى مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل فى الحب المذموم كما قال تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى ) النازعات (40-41) ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه. فالهوى إذاً ميل الطبع إلى ما يلائمه كما قال ابن الجوزى وابن القيم , وهو أيضاً ميل النفس إلى الشهوة.
حكم اتباع الهوى
خلق الميل في الإنسان لضرورة بقائه؛ فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل وما شرب ولا نكح ، فالهوى مستحث لها لما يريده كما إن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغى ذم الهوى مطلقاً ولا مدحه مطلقاً كما إن الغضب لا يذم مطلقا ولا يمدح مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار.
ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لأنه يندُر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده ؛ فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى فى كتابه إلا ذمه ، وكذلك في السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب. وقد قيل: الهوى  لايؤمن.
أهل الأهواء والبدع
هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السنة والجماعة كالذين يُكَفِّرون بالكبيرة أو يقولون بعصمة الأئمة أو سقوط التكاليف عن الواصل بزعمهم وكالذين يقدمون العقل على النصوص الشرعية، وقد صاروا فرقاً لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم فافترقوا. ولذلك برأ الله نبيه منهم بقوله : ( لست منهم في شيء) (الأنعام:159) ومن علامات أهل الأهواء أنهم يكفرون المخالف لهم ويفسقونه ويبدعونه بلا سبب موجب ، وعادتهم التقاطع والتنافر والتباغض ، أما أهل السنة فكانوا يتناظرون في المسألة ما يقصدون إلا الخير ولا يتقاطعون ولا يتبارون حذراً من الفرقة التي نبه عليها بقوله تعالى :(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء )
 الأنعام (159) (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) ( آل عمران:105).
ولا يسلم العبد من الأهواء والبدع إلا بالرجوع للكتاب والسنة، وأن يكون على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.
وكل خير فى اتباع من سلف     وكل شر فى ابتداع من خلف
وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليوم ديناً، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
بعض الآيات الواردة فى ذم اتباع الهوى
حذرت الآيات من اتباع الهوى ووبخت أهل الأهواء ،قال تعالى : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ). (البقرة :87) وقال تعالى : ( وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين )
 (الأنعام :119) .
وقد حذر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من اتباع أهواء الكفار والمنحرفين فى مواضع كثيرة من كتابه كقوله سبحانه: (ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك). (المائدة :49).
بعض الأحاديث الواردة في ذم اتباع الهوى

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى من منكرات الأخلاق و الأعمال والأهواء وكان مما يخشى على أمته شهوات الغي في البطون والفروج ومضلات الهوى.
وفى الحديث: "وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى (أى تتسابق) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" . وفي حديث أنس-رضى الله عنه-"وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" .
بعض الآثار في ذم اتباع الهوىلقد كان السلف رضي الله عنهم يحذرون اتباع الهوى كما حذروا الأمة من ذلك ومما أثر عنهم في ذلك

قول علي-رضي الله عنه- : إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل،أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد هواك .وقال ابن تيميه: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم .وقال بشر الحافي: البلاء كله في هواك، والشفاء كله في مخالفتك إياه. وقال عطاء: من غلب هواه عقله وجزعُه صبرَه افتضح. وقال أبو علي الثقفي: من غلبه هواه توارى عنه عقله، وقال ابن المبارك: 
ومن البلاء وللبلاء علامة 
أن لا يُرى لك عن هواك نزوع 
العبد عبد النفس في شهواتها 
والحر يشبع تارة ويجوع 
عواقب اتباع الهوى
على العبد أن يتأمل كم أضاعت معصيته من فضيلة، وكم أوقعت في رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وقبحت ذكراً وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء، غير أن صاحب الهوى عمياء.
كيف يتخلص العبد من اتباع الهوىبعون الله وتوفيقه يتم التخلص من هذه الآفة بعزيمة حر يغار لنفسه وعليها وجرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، وقوة نفس تشجعه، والشجاعة كلها صبر ساعة، وملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه، وإبقائه على منزلته عند الله تعالى وفى قلوب عباده، وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى، وإيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية، والتفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيء لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى، وألا يختار لنفسه أن يكون الحيوانُ البهيمُ أحسنَ حالاً منه ؛ فالحيوان قد يحسن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وأن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى وأن يكون تحت قهر الشيطان، وأن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة وأن يعلم أن الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده حتى وإن كان علماً وزهداً، والشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، وقد شبه سبحانه متبع الهوى بالكلب، ولو تأملت السبعة اللذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله،ل وجدتهم إنما نالوا ذلك كله بمخالفة الهوى ، فجاهد نفسك واستعن بالله واستشعر أنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمي

عدم التثبيت أو التبين



والآفة الثالثة عشرة التي لا يكاد يسلم من شرها إلا من كان ذا صلة قوية متينة بربه وكان حصيفا : إنما هي عدم التثبيت أو التبين وحتى يتحرر من ابتلوا بها ويتقيها من عافاهم الله عز وجل منها فلا بد من تقديم تصور دقيق عن أبعادها ومعالمها وذلك من خلال الجوانب التالية :

أولاً : مفهوم عدم التثبيت أو التبين :
عدم التثبيت لغة : وحتى نفهم المرد بعدم التثبيت أو التبين في اللغة فإننا فماذا يراد من كل منهما لغة ؟ يطلق التثبيت في اللغة على أمور منها :
(أ) طلب ما يكون به الثبات على الأمر أي لزومه وعدم التحول عنه أو تجاوزه إلى غيره وبعباره أحرى طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر .
(ب) والتأكيد من حقيقة ما يعين على الثبات في الأمر وبعبارة أخرى فحص الدليل الوصل إلى الثبات في الأمر تقول :( أثبت الأمر :
حققه صححه وأثبت الكتاب سجله واثبت الحق أقام حجته واثبت الشيء عرفه حق المعرفة ).
(ج)والتأني أو التريث وعدم الاستعجال تقول تثبيت في الأمر والرأي استثبت : تأنى فيه ولم يعجل واستثبت في أمره : إذا شاور وفحص عنه ).
وكذلك التبين يطلق في اللغة على النفس المعني التي يطلق عليها التثبت فهو :
(أ) طلب ما يستبين به الأمر وتنكشف حاله تقول :( تبين الشيء أي تأمله حتى اتضح ).
(ب) وهو التأكيد من حقيقة ما يستبين به الأمر ونتكشف حاله تقول :( تبين الشيء ظهر واتضح ).(واستبنت الشيء : إذا تأملته حتى تبين لك ).
(ج) وهو التأني أو التريث في لأمر وعدم الاستعجال فيه تقول ( تبين القوم تدبروه على مهل غير متعجلين ليظهر لهم جليا ) وتبين في أمره تثبت وتأنى ).
ويؤكد أن التثبت والتبين معناهما واحد لغة : استعمال القرآن الكريم ، فقد جاء في قوله تعالى { يا أيها الذين إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } أن أكثر الكوفيين يقرأون الآية الأولى وكذلك عامة أهل المدينة يقرأون الآية الثانية ( فتثبتوا ) بدل (فتبينوا ) ، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمة الله : ( والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ لأن المتثبت متبين والمتين متثبت فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك ، كما يقول في موضع آخر ( والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى فبأيتهما قر القارئ فمصيب ) ، ونستطيع أن نقول إن هذه الإطلاقات واحد ألا وهو التأني أو التريث في الأمر وعدم الاستعجال فيه فإن ذلك مطلوب دليله بل وفي فحص وتأمل هذا الدليل وحيث انتهينا من تحديد المراد بالتثبت أو التبين لغة فإننا نقول : إن عدم لتثبت أو التبين لغة يعنى ( السرعة في الحكم على الشيء دون طلب دليله ودون تأمل هذا الدليل ).
عدم التثبت اصطلاحا : أما عدم التثبت أو التبين في الاصطلاح الإسلامي والدعوى فهو :
السرعة أو عدم التأني والتريث في كل ما يمس المسلمين بل الناس جميعا من أحكام أو تصورات ومن تناقل وتداول لهذه الأحكام وتلك التصورات دون فهم دقيق للواقع وما يحيط به من ظروف وملابسات.
وإلى هذا أشار القرآن الكريم في تعليقه على حادثة الإفك حين قال : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم }
لأن من المعلوم بداهة أن التلقي إنما يكون بالأذن ثم يعرض على العقل والقلب وحينئذ يكون الكلام باللسان فإنما هي لفتة إلى السرعة وعدم التأني أو التروي في إصرار الحكم بل في تداوله والتحرك به كأن الإفك عندما وقع من ابن سلول صمت الآذان وسترت العقول وغلفت القلوب فلم يبق إلا أن لاكته الألسن وتحركت به الشفاه دون فهم للواقع ودون معرفة بالظروف والملابسات ولقد صوّر صاحب الظلال - رحمه الله - ذلك تصويرا بديعا حين قال: "وهي صور فيها الخفّة والاستهتار، وقلّة الحرج، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمـام: )إذ تلقّونه بألسنتكم( لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا تروّ، ولا فحص ولا إمعان نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبّره القلـوب، {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم}، بأفواهكم لا بوعيكم، ولا بعقلكم، ولا بقلبكم، إنّما هي كلمات تقذف بها الأفواه قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول..." [1]

ثانيا: أسباب عدم التثبت أو التبين:

وهناك أسباب أو بواعث تؤدى إلى عدم التثبت أو التبيّن، نذكر منها:

1 - النشأة الأولى :
فقد ينشأ المرء بين أبوين سمتهما عدم التثبت أو التبين، وحينئذ يسرى ذلك إلى نفسه، فإذا به صورة منهما، وهنا يتجلّى دور التزام الآباء بأخلاق وآداب الإسلام، أجل . إن ذلك لو روعي لجنب الآباء أبناءهم كثيرا من الانحرافات، دون الحاجة إلى خطب أو مواعظ.

2 - الصحبة العارية من هذا الخلق الإسلامي :
وقد يعيش المرء في وسط غير ملتزم بهذا الخلق الإسلامي، فإذا به يحاكى،ويتأسى، لا سيما إذا كان ضعيف الشخصية غير واثق من نفسه، ومن تصرفاته وسلوكه، وهنا يأتي دور الارتماء بين أحضان الصحبة الطيبة الملتزمة بالمنهاج الإسلامي. إن هذا لو وقع، لصَحَتْ الأعصاب، ولتنبّهت المشاعر والأحاسيس والجوارح.

(3) الغفلة أو النسيان :
وقد تؤدى الغفلة أو النسيان بالإنسان إلى عدم التثبت أو التبين وحينئذ يجب أن يتعلم من ذلك درسا لا ينساه على مدار الزمان فلا يتكرر منه هذا الخطأ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ).

(4) الاغترار ببريق الألفاظ :
وقد يقرع أذن المرء طائفة من الألفاظ المعسولة والعبارات الخلابة وإذا به يغتر بما لهذه الألفاظ وتلك العبارات من بريق وزخرف وحينئذ يكون منه عدم التثبت أو التبين وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا السبب حين قال : ( إنكم تختصمون إلى
ولعلل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها ).

(5) الجهل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين :
وقد يحمل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين إلى السرعة في الحكم وتداوله هنا وهناك ذلك أن للتثبت أو للتبين أساليب أو طرقا كثيرة توصل إليه من بينها :

# الرد إلى الله والرسول وذوى الرأي والحجا كما قال سبحانه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }
# السؤال أو المناقشة لصاحب الشأن وخير ما يوضح ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبى بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى اله عليه وسلم لهم وأطلع الله عز وجل نبيه على الكتاب وجئ به إليه صلى الله عليه وسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قبل أن يقضى في أمره قائلا :( يا حاطب ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله لا تعجل على إني كنت امرءا ملصقا من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أما إنه قد صدقكم ) ولما استأذن عمر في ضرب عنقه قائلا : ( وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
- الإصغاء الجيد بل و المراجعة إذا لزم الأمر أو أشكل الأمر ، فهذا علىّ- رضى الله عنه - يعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر ثم يقول له :" اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت " ويشعر علىّ رضى الله عنه - بعد مضيه لأداء مهمته أن التكليف الذي كلف به غير واضح في ذهنه فيعود بظهره امتثالاً للأمر ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : : علام أقاتل الناس ؟ فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ".

- التجربة و الملاحظة من خلال المعايشة و المصاحبة ، فهذا عمر بن الخطاب - رضى الله  عنه - يثنى رجل على آخر في مجلسه فيقول عمر للرجل الذي أثنى : هل صحبته في سفر قط ؟ يقول : لا ، فيقول له : هل كانت بينك وبينه معاملة في حق ؟ يقول : لا ، فيقول له :" اسكت فلا أرى لك علماً به ، أظنك - والله - رايته في المسجد يخفض رأسه ويرفعه ".
- الجمع بين كل الأطراف مع المواجهة ، لاسيما في الأمور التي لا يجوز فيها التغاضي أو السكوت ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم عليَّاً لما بعثه قاضياً إلى أهل اليمن ، أسلوب التثبت في القضاء قائلاً له : " إن الله سيهدى قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ".
- السماع من صاحب الشأن أكثر من مرة ، وعلى فترات متباعدة مع المقابلة و الموازنة فها هي أم المؤمنين عائشة - رضى الله تعالى عنها - يبلغها عن عبد الله بن عمرو ، أنه قادم من مصر للحج ، فتقول لابن أختها عروة بن الزبير ، يا ابن أختي بلغني أن عبد الله لن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله ، فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً قال ، فلقيته فسائلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال عروة : فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً ، ولكن يقبض العلماء فيرتفع العلم معهم ويبقى في الناس رؤساء جهالاً يفتونهم بغير علم فيَضلون ويُضلون " قال عروة فلما حدَّثت  عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال عروة : حتى إذا كان قابل قالت له : إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ، قال : فلقيته فسائلته ، فذكر لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى ، قال عروة : فلما أخبرتها بذلك قالت : ما أحسبه إلا قد صدق ، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص " .
هذه الطرق أو الأساليب وغيرها كثيرة  قد يجهلها كثير من الناس وحينئذٍ يتناولون الأمر بغير تثبيت ولا تبين .

6- الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة :
وقد يؤدى الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة إلى عدم التثبت أو التبين ، ذلك أن هذا الحماس أو هذه العاطفة ما لم تكن موزونة بميزان الشرع ، ومحكومة بلجام العقل ، فإنها تسلب صاحبها الإدراك ، وإذا به يخطئ كثيراً ويضيع في بيداء هذه الحياة .
ويمكن أن نستشف هذا السبب من حديث أسامة بن زيد التالي إذ يقول :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقن أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ قلت :  كان متعوذاً ، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ".

أجل لقد كان الحامل لأسامة على قتل الرجل مع نطقه بلا إله إلا الله تلك التي تعصم الدم إلا بحقها  إنما هو الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة التي انطوى عليها قلب أسامة بن زيد - رضى الله عنه - بحيث حالت بينه وبين الاقتناع بما صدر عن الرجل من الإسلام ، و النطق بالشهادة واتهمه بأنه يظهر خلاف ما يبطن ناسياً أن الله وحده هو المطلع على ما تكنه القلوب ، وتخفيه الصدور { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله } ، { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } { والله يعلم ما في قلوبكم } ، { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .

7- التعلق بعرض زائل من الدنيا :
وقد يكون التعلق بعرض زائل من أعراض هذه الحياة الدنيا هو الحامل على عدم التثبت أو التبين ، وذلك أن حب الشيء يعمى ويصم ، ويحول بين الإنسان وبين استطلاع الموقف وتبين الحقيقة ولعل هذا السبب هو المشار إليه في قوله سبحانه :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا  فعند الله مغانم كثيرة } .

8 - الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على عدم التثبت أو التبين :
وأخيرا، قد تؤدى الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على عدم الالتزام بهذا ا الخلق الإسلامي إلى السرعة، أو العجلة في الأمر، وعدم التريث أو التأني، فان من غفل عن عاقبة أمر ما، وقع فيه لا محالة إلا من عصم الله - عز وجل.
ثالثاً : مظاهر عدم التثبت والتبين :
ولعدم التثبت أو التبين مظاهر تدل عليه وأمارات يعرف بها نذكر منها :
(1) معاداة كثير من الأفراد والهيئات العاملة للإسلام استجابة لحملات التشويش والدعاية المغرضة دون مخالصة هؤلاء ومعرفة أحوالهم وأخلاقهم عن قرب ومشاهدة .
(2) التركيز على المظهر والشكل مع إهمال المخبر والجوهر فإن كثيرا من الهيئات العاملة للإسلام تهتم كثيرا بالمظهر والشكل من اللحية والسواك وقصر الجلباب وإرخاء العذبة وحمل العصا والعمامة مع الإهمال التام للمخبر والجوهر الأمر الذي يجعلهم لا يميزون بين الصالح والطالح وبين الصادق والكاذب
ولا يفهم ذلك أنه استهانة أو تحقير لتلك الأشياء ، فقد وردت
بذلك أحاديث تتفاوت صحة وضعفا وليس هنا مجال تحقيقها الآن ولكننا نريد من المسلم أن يكون لديه ترتيب الأولويات وتقديرا لمخبر الإنسان وجوهره وإن قصر في بعض الشكليات فإن ذلك لا يضره .
(3) عدم التماس المعاذير وعدم السماع للحجج والآراء برغم أنه لا عقبات ولا صعوبات في حياة الناس.
(4) المبادرة بالتفوه ، والرأي ، لمجرد السماع والتلقي أو لمجرد الرؤية والمشاهدة .
(5) المبادرة بالتنفيذ لمجرد صدور التكليف دون إحاطة تامة بكل ظروفه وملابساته ودون معرفة دقيقة بمن له حق التكليف والإلزام.

رابعاً : آثار عدم التثبت أو التبين :
ولعدم التثبت أو التبين آثار سيئة وعواقب وخيمة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ودونك طرفا من هذه الآثار .

* آثار عدم التثبت على العاملين :
فمن آثار عدم التثبت أو التبين على العاملين :

(1) اتهام الأبرياء من الناس زورا وبهتانا :
فقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زورا وبهتانا بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد إذ أعزها الله بالإسلام وصارت زوجة لإمام المسلمين وأفضل النبيين ورسول الله للعالمين الأمر الذي أقلقها وأقلق أبويها ورسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها والمسلمين جميعا شهراً كاملاً حتى نزلت البراءة بشأنها من فوق سبع سموات .
وكان السبب هذا الاتهام هو عدم التثبت أو التبين حتى قال الله لهم :{ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون }.
وحسب العامل هذا الأثر إذ هو مجلبة للشر والإثم - والعياذ بالله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( خيار عباد الله الذين إذا رُءوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ).؟

 (2) سفك الدماء وسلب الأموال :
فقد قَتل أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه أو غيره نفراً من الناس وسلب ماله بغير تثبت ولا تبين وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة .......}.

 (3) - الحسرة والندم :
فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا من غير تثبت ولا تبين من أمثال حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثه وغيرهما وكذلك الذين قتلوا الرجل وأخذوا ماله بعد أن أسلم وشهد أن لا إله إلا هو من مثل أسامة بين زيد -  رضى الله تعالى عنه - كل أولئك أصابتهم الحسرة وعمهم الندم لما نزل الوحي من السماء يكشف الموقف ويضع النقاط على الحروف وتمنوا أن لم يكونوا أسلموا قبل ذلك اليوم بل ظلت الحسرة والندامة شبحا مخيفا يلاحقهم حتى لقوا ربهم .
ولعل هذا الأثر هو ما يشير إليه قوله تعالى في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط مع بني المصطلق الواردة في سورة الحجرات: {...... فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .....}.

(4) فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية :
فمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم منه بل وينفرون منه ويكرهونه بشدة وإذا ذهبت الثقة وكان النفور والكراهية لم يعد في يد المسلم ما يكسب به الأنصار أو
المؤيدين .

(5) التعرض للغضب الإلهي :
فمن تجرد من التثبت أو التبين كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته من ثم يستوجب غضب الله وسخطه ومن حل عليه غضب الله وسخطه فقد ضاع دنيا وآخرة وخسر خسرانا مبينا وصدق الله :{ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }.

* آثار عدم التثبت على العمل الإسلامي :
ومن آثاره على العمل الإسلامي :
(1) خلل أو اضطراب الصف :
فإن عدم التثبت أو التبين من شأنه أن يؤدى إلى خلل أو اضطراب في الصف على نحو ما صوره صاحب الظلال - رحمه الله - إذ يقول :" كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته ، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة قد تحدث إشاعة الخوف فيه خلخلة وارتباكاً ، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف وقد تكون كذلك القاضية ".
وعلى نحو ما وقع بين الأنصار بين أوسهم وخزرجهم حين استمعوا إلى هذا الدخيل الذي بثه بينهم أحد اليهود في ساعات الصفاء ، و الحب في الله ليذكرهم بيوم بعاث ، وثاراتهم القديمة ، لقد تنادوا قائلين :
السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ( أي الحرة ) وخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، و الخزرج بعضها إلى  بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، ولولا رحمة الله ولطفه بهم ، ثم خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وتذكيرهم بنعمة الله عليهم وهدايته لهم بعد الكفر و الضلالة قائلاً :" يا معشر المسلمين : الله  الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر ، وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ، لولا ذلك لعادوا- كما كانوا في الجاهلية -شيعاً وأحزاباً .
وعلى نحو ما وقع للحركة لإسلامية في مصر في الخمسينات حيث استمع نفر من أبنائها لوشايات الواشين وافتراءات المغرضين  ، وأراجيف المبطلين دون تثبت أو تبين ، الأمر الذي أدى إلى خلل في الصفوف لبعض الوقت ، وكاد يعصف بهذه الحركة لولا لطف الله ورحمته ، وعنايته وتثبيته لبعض الصادقين المخلصين من أبنائها .

2- الفتور أو التراخي في العمل :
فإن عدم الالتزام بالتثبت أو التبين من شأنه أن يؤدى إلى الفتور أو التراخي في العمل مباشرة ، أو بعد سلسلة من المكدرات
و المنغصات كما يصوره صاحب الظلال إذ يقول :" .... فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة العدو ، إشاعة أمر الأمن في هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي مهما تكن الأوامر باليقظة النابعة من التحفز للخطر ، غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر ، وفي ذلك التراخي تكون القاضية.

3- إفساح المجال للأدعياء و الدخلاء :
فإن عدم الالتزام بهذا الخلق الإسلامي جعل أكثر الجمعيات و الجماعات العاملة للإسلام مخترقاً ومكشوفاً من قبل الأدعياء و الدخلاء  وهذا فيه من الخطورة ما فيه ، حسبنا أن هذه الجمعيات و الجماعات يكاد لها بواسطة هؤلاء الأدعياء و الدخلاء ، و المنشئون أو المؤسسون الحقيقيون لها ، نائمون غافلون لا يدرون من أمرها شيئاً .

4- خسارة بعض الأنصار و المؤيدين :
وقد يخسر العمل الإسلامي بسبب عدم التثبت أو التبين بعض الأنصار و المؤيدين ، وربما انقلبوا رأس حربة على العمل الإسلامي و العاملين لدين الله ، بعد أن كانوا مرجوا منهم أنهم مساندون أو مؤيدون .

5- الانطلاق من الخيال لا من الواقع :
فإن من كان من شأنهم عدم التثبت أو التبين سينقلون الأمور
على غير وجهها ويحكون الواقع بصورة غير صورته الحقيقية التي هو عليها ، وعليه فإذا كانت خطة أو منهاج أو رأى فإنما يكون مصدره أو منبعه الخيال لا الواقع ، وتلك أولى عوامل الفشل و الخسران .

6- الحرمان من العون و التأييد الإلهي :
فإن عدم الالتزام بهذا الخلق ... أعنى التثبت أو التبين ... سيؤدى إلى دخن في القلوب وغل في الصدور ، فضلاً عن باقي الآثار و السلبيات التي ذكرنا آنفاً ، وهذا بدوره يؤدى إلى الحرمان من العون و التأييد الإلهي ، إذ أنه عونه - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لنا ذلك كله مقرون باستقامتنا وثباتنا في الطريق { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } .

خامساً : علاج عدم التثبت أو التبين :
وما دمنا قد وقفنا على أبعاد ومعالم عدم التثبت أو التبين على النحو الذي قدمنا ، فإن علينا أن نعرف سبيل العلاج وتتلخص في الأخذ بالوسائل التالية :

1- تقوية ملكة التقوى و المراقبة لله - سبحانه وتعالى - :
فإن هذه إن تأكدت في النفس ، فسوف تحمل صاحبها حملاً على
التأني و التروي والإنصاف ، ونقل الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقص ، بل ستكون سبباً في نور القلب ، ونفاذ البصيرة كما قال سبحانه { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } ولعلنا نلمح هذه الوسيلة العلاجية من قوله صلى الله عليه وسلم :" التثبت من الله و العجلة من الشيطان ".

2- التذكير بين يدي الله - سبحانه وتعالى - للمساءلة و الجزاء :
{ وقفوهم إنهم مسئولون } ، { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ، { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً } ، { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } .
فإن هذا إن تمكن من النفس ، وخالط القلب ، فإنه سيقود حتماً إلى التأني أو التروي .

3- معايشة الكتاب و السنة ، من خلال هذه النصوص المتصلة بقضية التثبت أو التبين ، كما في آيات " النساء " : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ... } ، وآيات الإفك في سورة النور ، وآيات سورة الحجرات ، { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... } ، وآيات سورة " ص " داود مع الخصمين :{ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب }      وآيات سورة " النمل " سليمان مع الهدهد إذ قال له { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين }.
فإن هذه النصوص جميعاً مدعاة إلى تربية ملكة التثبت أو التبين في النفس .

4- دوام النظر في سير وأخبار السلف فإنها طافحة بالنماذج الحية التي تجسد هذا التثبت ،وتجعله ماثلاً أمامنا كالعيان وحسبنا من هذه السير وتلك الأخبار :
قصة عمر بن الخطاب مع سعيد بن عامر الجمحى واليه على حمص إذ قدر الله لعمر أن يزور هذه البلدة ، ويسأل أهلها كيف وجدتم عاملكم ؟ فيشكونه له ، وكان يقال لأهل حمص : الكوفية الصغرى لشكايتهم عمالهم قائلين :

نشكو أربعاً : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، قال : أعظم بهذا ، وماذا ؟ قالوا : لا يجيب أحد بليل ، قال وعظيمة وماذا ؟ قالوا وله يوم  في الشهر لا يخرج فيه إلينا ، قال عظيمة ، وماذا ؟ قالوا يغنط الغنطة بين الأيام ( أي يغمى عليه ويغيب عن حسه ) فلم يفصل عمر في الأمر ، إلا بعد أن جمع بينهم وبينه ودعا ربه قائلا : ( اللهم لا تفيل رأيي فيه ) وكان عمر حسن الظن به وبدأت المحاكمة فقال عمر لهم أمامه : ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار قال : ما تقول ؟ قال : والله إن كنت لأكره ذكره : ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم فقال : ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يجيب أحدا بليل قال : ما تقول ؟ قال : إن كنت لأكره ذكره : إني جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل قال : وما تقول ؟ قال : ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها فأجلس حتى تجف ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار قال : ما تشكون منه ؟ قالوا : يغنط الغنطة بين الأيام قال :ما تقول ؟ قال : شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش من لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا : أتحب أن محمدا مكانك ؟ فقال : والله ما أحب أنى في أهلي وولدي وأن محمدا صلى الله عليه وسلم شيك بشوكة ، ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة فقال عمر بعد أن أظهر براءته أمامهم الحمد لله الذي لم يفيل فراستي وبعث إليه بألف دينار وقال : استعن بها على أمرك ففرقها ) .
وقصة الوزير أبى القاسم بن مسلمة أحد وزراء بنى العباس مع اليهود الخيابرة في القرن الخامس الهجري إذ رفع إليه هؤلاء اليهود كتابا زاعمين أنه كتاب نبوي فيه إسقاط  الجزية عنهم فلم يبادر بالفصل في المسألة دون تثبت أو تبين وإنما رد الأمر إلى أهله ، لقد دفع الكتاب إلى الحافظ الخطيب البغدادي ت 463هـ شيخ علماء بغداد ومؤرخها ومحدثها في عصره فنظر فيه ثم قال :هذا كذب فسأله الوزير : وما الدليل على كذبه ؟ فقال لأن فيه شهادة معاوية بن أبى سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة وإنما أسلم معاوية يوم الفتح وفيه شهادة سعد بن معاذ وقد مات قبل خبر عام الخندق سنة خمس فأعجب الناس ذلك وتوقف الوزير عن العمل بالكتاب .
أرأيت لو أن هذا الوزير استعجل ونفذ ما في الكتاب من غير أن يرد الأمر إلى أهله فماذا تكون النتيجة ؟ إن النتيجة هي تعطيل نص صريح من كتاب الله عز وجل بغير دليل ولا برهان إذ يقول الحق سبحانه { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون }

5- التربية على ذلك من خلال الأحداث والوقائع على نحو ما جاء في : قصة أسامة بن زيد مع الجهنى في سورة النساء وعلى نحو ما جاء في : حادثة الإفك في سورة النور وعلى نحو ما جاء في قصة داود مع الخصمين في سورة النمل وعلى نحو ما جاء في : قصة الوليد بن عقبة مع بنى المصطلق في سورة (الحجرات )فإن هذا اللون من التربية يثبت في النفس ولا ينسى نظرا لارتباطه بالحدث أو بالقصة .

6- التذكير بقواعد ومعالم وطرق التثبت أو التبين فإن الإنسان مجبول على النسيان وعلاج هذا النسيان دوام التذكير :
{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }.{ فذكر إن نفعت الذكرى }.

7- تقدير العواقب المترتبة على ترك التثبت أو التبين في الدنيا والآخرة فإن هذا التقدير من شأنه أن يبعث الإنسان من داخله ويحمله على التروي أو التأني أو التريث .

8- معايشة أو مخالطة من اشتهروا بخلق التثبت أو التبين فإن هذا يفيد الإنسان كثيرا ويدعوه إلى محاكاتهم والنسج على منوالهم لتقل العثرات وتسلم الخطوات .

9- الحكمة في التعامل مع الناس فلا تخدعنا الظواهر والأشكال والصور ولا نبالغ في البحث والتفتيش عن البواطن وخفايا الصدور وإنما ندع الواقع ليحدد كيفية وأسلوب التعامل .

10- محاولة الإفادة من مناهج أهل الأرض بشأن هذا الخلق ..أعنى التثبت أو التبين شريطة ألا يتعارض ذلك مع الإسلام فإن لدى هؤلاء رصيداً  لو أمكن استغلاله وتوجيهه التوجيه السليم لعاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير  .

11-  أن يتصور المسلم نفسه في موطن من يؤخذ بغير تثبت أو تبين فإن ذلك يحمله على تعديل خطواته في الطريق إذ مالا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره .

12- التعويد على إحسان الظن بالمسلمين إلا أن يقع منهم ما يوجب غير هذا :
{لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا }.



[1]  انظر في ظلال القرآن 6/80

مدونة الارض لنا " كل ما يخص المسلم صاحب الهم والدعوة"

قناة الاقصي وتردد جديد